ا

العقلانيــة

  التعريف :

العقلانية مذهب(*) فكري يزعم أنه يمكن الوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود عن طريق الاستدلال العقلي بدون الاستناد إلى الوحي(*) الإلهي أو التجربة البشرية وكذلك يرى إخضاع كل شيء في الوجود للعقل(*) لإثباته أو نفيه أو تحديد خصائصه.

ويحاول المذهب إثبات وجود الأفكار في عقل الإنسان قبل أن يستمدها من التجربة العملية الحياتية أي أن الإدراك العقلي المجرد سابق على الإدراك المادي المجسد.

التأسيس وأبرز الشخصيات:

العقلانية مذهب قديم جديد بنفس الوقت. برز في الفلسفة(*) اليونانية على يد سقراط وأرسطو، وبرز في الفلسفة الحديثة والمعاصرة على أيدي فلاسفة أثَّروا كثيراً في الفكر البشري أمثال: ديكارت وليبنتز وسبينوزا وغيرهم.

رينيه ديكارت 1596 – 1650م فيلسوف فرنسي اعتمد المنهج(*) العقلي لإثبات الوجود عامة ووجود الله على وجه أخص وذلك من مقدمة واحدة عُدت من الناحية العقلية غير قابلة للشك(*) وهي: "أنا أفكر فأنا إذن موجود".

ليبنتز: 1646 – 1716م فيلسوف ألماني، قال بأن كل موجود حي وليس بين الموجودات مِنْ تفاوت في الحياة إلا بالدرجة – درجة تميز الإدراك – والدرجات أربع: مطلق الحي أي ما يسمى جماداً، والنبات فالحيوان فالإنسان.

وفي المجتمع الإسلامي نجد المعتزلة تقترب من العقلانية جزئيًّا، إذ اعتمدوا على العقل(*) وجعلوه أساس تفكيرهم ودفعهم هذا المنهج إلى تأويل(*) النصوص من الكتاب والسنة التي تخالف رأيهم. ولعل أهم مقولة لهم قولهم بسلطة العقل وقدرته على معرفة الحسن والقبيح ولو لم يرد بها شيء. ونقل المعتزلة الدين(*) إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية وذلك لتأثرهم بالفلسفة(*) اليونانية.

وقد فنَّد علماء الإسلام آراء المعتزلة في عصرهم، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل ثم جاء بعد ذلك ابن تيمية وردَّ عليهم ردًّا قويًّا في كتابه درء تعارض العقل والنقل وبيّن أن صريح العقل(*) لا يمكن أن يكون مخالفاً لصحيح النقل. وهناك من يحاول اليوم إحياء فكر المعتزلة إذ يعدونهم أهل الحرية الفكرية في الإسلام، ولا يخفى ما وراء هذه الدعوة من حرب على العقيدة الإسلامية الصحيحة، وإن لبست ثوب التجديد(*) في الإسلام أحياناً.

العقائد والأفكار:

تعتمد العقلانية على عدد من المبادئ الأساسية هي:

العقل لا الوحي(*) هو المرجع الوحيد في تفسير كل شيء في الوجود.

يمكن الوصول إلى المعرفة عن طريق الاستدلال العقلي وبدون لجوء إلى أية مقدمات تجريبية.

عدم الإيمان بالمعجزات(*) أو خوارق العادات.

العقائد الدينية ينبغي أن تختبر بمعيار عقلي.

الجذور الفكرية والعقائدية:

كانت العقلانية اليونانية لوناً من عبادة العقل وتأليهه وإعطائه حجماً أكبر بكثير من حقيقته. كما كانت في الوقت نفسه لوناً من تحويل الوجد إلى قضايا تجريدية.

وفي القرون الوسطى سيطرت الكنيسة(*) على الفلسفة الأوروبية، حيث سخَّرت العقل لإخراج تحريفها للوحي(*) الإلهي في فلسفة عقلية مسلَّمة لا يقبل مناقشتها.

وفي ظل الإرهاب الفكري الذي مارسته الكنيسة انكمش نشاط العقل الأوروبي، وانحصر فيما تمليه الكنيسة والمجامع المقدسة، واستمرت على ذلك عشرة قرون.

وفي عصر النهضة(*)، ونتيجة احتكاك أوروبا بالمسلمين – في الحروب الصليبية والاتصال بمراكز الثقافة في الأندلس وصقلية والشمال الإفريقي – أصبح العقل الأوربي في شوق شديد لاسترداد حريته في التفكير، ولكنه عاد إلى الجاهلية(*) الإغريقية ونفر من الدين(*) الكنسي، وسخَّر العقل(*) للبعد عن الله، وأصبح التفكير الحر معناه الإلحاد(*)، وذلك أن التفكير الديني معناه عندهم الخضوع للفقيد الذي قيدت به الكنيسة العقل وحجرت عليه أن يفكر.

يتضح مما سبق :

أن العقلانية مذهب(*) فكري فلسفي يزعم أن الاستدلال العقلي هو الطريق الوحيد للوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود، بدون الاستناد إلى الوحي(*) الإلهي أو التجربة البشرية، وأنه لا مجال للإيمان بالمعجزات أو خوارق العادات، كما أن العقائد الدينية يمكن، بل ينبغي أن تختبر بمعيار عقلي، وهنا تكمن علله التي تجعله مناوئاً ليس فقط للفكر الإسلامي، بل أيضاً لكل دين سماوي صحيح.

الوجوديـة

   التعريف :

الوجودية اتجاه فلسفي يغلو في قيمة الإنسان ويبالغ في التأكيد على تفرده وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي فلسفة عن الذات أكثر منها فلسفة(*) عن الموضوع. وتعتبر جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة التي تتعلق بالحياة والموت والمعاناة والألم، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم. ونظراً لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار.

التأسيس وأبرز الشخصيات:

يرى رجال الفكر الغربي أن سورين كيركجورد 1813 – 1855م هو مؤسس المدرسة الوجودية. ومن مؤلفاته: رهبة واضطراب.

أشهر زعمائها المعاصرين: جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي المولود سنة 1905م وهو ملحد ويناصر الصهيونية له عدة كتب وروايات تمثل مذهبه(*) منها: الوجودية مذهب إنساني، الوجود والعدم، الغثيان، الذباب، الباب المغلق.

ومن رجالها كذلك: القس كبرييل مارسيل وهو يعتقد أنه لا تناقض بين الوجودية والنصرانية.

كارل جاسبرز : فيلسوف ألماني.

بسكال بليز : مفكر وفيلسوف فرنسي.

وفي روسيا: بيرد يائيف، شيسوف، سولوفييف.

الأفكار والمعتقدات:

يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان(*) ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل. وقد اتخذوا الإلحاد مبدأ ووصلوا إلى ما يتبع ذلك من نتائج مدمرة.

يعاني الوجوديون من إحساس أليم بالضيق والقلق واليأس والشعور بالسقوط والإحباط لأن الوجودية لا تمنح شيئاً ثابتاً يساعد على التماسك والإيمان وتعتبر الإنسان قد أُلقي به في هذا العالم وسط مخاطر تؤدي به إلى الفناء.

يؤمنون إيماناً مطلقاً بالوجود الإنساني وتخذونه منطلقاً لكل فكرة.

يعتقدون بأن الإنسان أقدم شيء في الوجود وما قبله كان عدماً وأن وجود الإنسان سابق لماهيته.

يعتقدون أن الأديان والنظريات الفلسفية التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحل مشكلة الإنسان.

يقولون: إنهم يعملون لإعادة الاعتبار الكلي للإنسان ومراعاة تفكيره الشخصي وحريته وغرائزه ومشاعره.

يقولون بحرية الإنسان المطلقة وأن له أن يثبت وجوده كما يشاء وبأي وجه يريد دون أن يقيده شيء.

يقولون: إن على الإنسان أن يطرح الماضي وينكر كل القيود دينية كانت أم اجتماعية أم فلسفية أم منطقية.

يقول المؤمنون منهم إن الدين(*) محله الضمير أمَّا الحياة بما فيها فمقودة لإرادة الشخص المطلقة.

لا يؤمنون بوجود قيم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه إنما كل إنسان يفعل ما يريد وليس لأحد أن يفرض قيماً أو أخلاقاً معينة على الآخرين.

أدى فكرهم إلى شيوع الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية والتحلل والفساد.

رغم كل ما أعطوه للإنسان فإن فكرهم يتسم بالانطوائية الاجتماعية والانهزامية في مواجهة المشكلات المتنوعة.

الوجودي الحق عندهم هو الذي لا يقبل توجيهاً من الخارج إنما يسيِّر نفسه بنفسه ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود.

لها الآن مدرستان: واحدة مؤمنة والأخرى ملحدة وهي التي بيدها القيادة وهي المقصودة بمفهوم الوجودية المتداول على الألسنة فالوجودية إذاً قائمة على الإلحاد.

الوجودية في مفهومها تمرد على الواقع التاريخي وحرب على التراث الضخم الذي خلفته الإنسانية.

تمثل الوجودية اليوم واجهة من واجهات الصهيونية الكثيرة التي تعمل من خلالها وذلك بما تبثُّه من هدم للقيم والعقائد والأديان.

الجذور الفكرية والعقائدية:

إن الوجودية جاءت كردِّ فعل على تسلط الكنيسة(*) وتحكمها في الإنسان بشكل متعسف باسم الدين(*).

تأثرت بالعلمانية وغيرها من الحركات التي صاحبت النهضة الأوروبية ورفضت الدين والكنيسة.

تأثرت بسقراط الذي وضع قاعدة "اعرف نفسك بنفسك".

تأثروا بالرواقيين(*) الذين فرضوا سيادة النفس.

كما تأثروا بمختلف الحركات الداعية إلى الإلحاد والإباحية.

الانتشار ومواقع النفوذ:

ظهرت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى ثم انتشرت في فرنسا وإيطاليا وغيرهما. وقد اتخذت من بشاعة الحروب وخطورتها على الإنسان مبرراً للانتشار السريع. وترى حرية الإنسان في عمل أي شيء متحللاً من كل الضوابط. وهذا المذهب يعد اتجاهاً إلحاديًّا يمسخ الوجود الإنساني ويلغي رصيد الإنسانية.

انتشرت أفكارهم المنحرفة المتحللة بين المراهقين والمراهقات في فرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وإنجلترا وأمريكا وغيرها حيث أدت إلى الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية واللامبالاة بالأعراف الاجتماعية والأديان.

ويتضح مما سبق:

أن الوجودية اتجاه إلحادي(*) يمسخ الوجود الإنساني ويلغي رصيد الإنسانية من الأديان وقيمها الأخلاقية. وتختلف نظرة الإسلام تماماً عن نظرية الوجودية حيث يقرر الإسلام أن هناك وجوداً زمنياً بمعنى عالم الشهادة ووجوداً أبديًّا بمعنى عالم الغيب. والموت في نظر الإسلام هو النهاية الطبيعية للوجود الزمني ثم يكون البعث والحساب والجزاء والعقاب.

أما الفلسفة الوجودية فلا تسلم بوجود الروح ولا القوى الغيبية وتقوم على أساس القول بالعدمية والتعطيل فالعالم في نظرهم وجد بغير داع ويمضي لغير غاية والحياة كلها سخف يورث الضجر والقلق ولذا يتخلص بعضهم منها بالانتحار.

اللــذة

  التعريف :

اللذة: مذهب(*) غير أخلاقي فلسفي، يرى أن اللذة هي الشيء الخيِّر الوحيد في الوجود.

التأسيس وأبرز الشخصيات:

اللذة مذهب قديم جديد في نفس الوقت، فهو قد تأسس بالفعل في العهد اليوناني القديم، وظهر بثوبه الجديد في مذهب المنفعة الذي نادى به فلاسفة أوروبا في الوقت الحاضر.

ومن أبرز شخصياته القديمة والجديدة:

الفيلسوف أبيقور اليوناني 343 – 270 ق.م، ولد في أثينا في اليونان، وقد اختلف الكتَّاب في أفكاره وحياته الخاصة، فبعض الكتَّاب المتأخرين يصف حياته بالحياة المنعمة اللاأخلاقية، إلا أن البعض الآخر يقول بأن كل خطاباته تدل على أنه كان متواضعاً في طعامه، وأن مفهوم اللذة عنده لا يقصد به الإباحية الأخلاقية أو ما شابه ذلك من مفاهيم.

جيرمي بنتام 1748 – 1823م وهو أول فيلسوف إنكليزي أبرز مذهب اللذة في القرن التاسع الميلادي، وذلك في كتابه مقدمة لأصول الأخلاق والتشريع.

جون ستيوارت ميل 1806 – 1873م – وهو الفيلسوف الإنكليزي الذي نادى باللذة والمنفعة أيضاً.

جون لوك 1632 – 1704م وهو فيلسوف إنكليزي. قال بأن فكرة الخير: يجب أن تُعرّف بأنها هي نفسها كلمة اللذة أو على الأقل تعرف تعريفاً يردها إلى اللذة وعارض نظرية الحق الإلهي، وقال بأن الاختيار هو أساس المعرفة.

الأفكار والمعتقدات:

يمكن إجمال الأفكار الأساسية لأصحاب مذهب(*) اللذة فيما يلي:

إن اللذة هي وحدها الخير، وهي خير الدوام، ولا توجد اللذة إلا من خلال إقصاء الألم وكل ما يعكر صفو العقل(*). ولا يقصد باللذة لذَّات أصحاب الشهوات الحسية ولا إدمان الشراب.

اللذة نوعان:

1- لذة جسمية تبلغ أوج صورها في الصحة الجسمية الكاملة.

2- لذة عقلية وتعني التحرر الكامل من الخوف والقلق.

إن آلام العقل أقسى من آلام البدن التي يمكن تحملها والتي تنتهي لا محالة بالموت، والموت أمر طبيعي لا يوصف بأنه شر ولا بأنه خير كذلك.

لا يستطيع الإنسان أن يحيا حياة سعيدة ما لم يقض هذه الحياة في كل ما هو فاضل بالفعل، والحياة الفاضلة هي مصدر اللذة، لأن الإنسان يقضيها في تحصيل العلم أساساً.

اللذة هي الشيء الوحيد الذي "هو خير في ذاته". والألم هو الشيء الوحيد الذي هو "شر في ذاته"، والسعادة تشمل اللذة والتخلص من الألم، وإن رجحان كفة اللذة يعني صيرورة حياة الإنسان مصدراً للمزيد من اللذة.

الجذور الفكرية العقائدية:

إن كلمة Hedonism مشتقة من الكلمة اليونانية Hoedone ومعناها: "اللذة" الحسية الدنيوية، وهي وحدها أساس اهتمام الفلاسفة الذين نادوا بها.

فأبيقور كان فيلسوفاً علميًّا، إذ لم يهتم بالفلسفة النظرية التي كان معاصروه يهتمون بها.. فتوجه إلى البحث عن سر السعادة البشرية سيما وأن الحياة اليونانية الوثنية(*) لا تهتم بالحياة الآخرة، وليس فيها أية قوانين خلقية روحية. وقد وجد أبيقور سر السعادة في اللذة، التي لا تعني إلا الخير.. ولذا فقد أساء البعض فهم اللذة عند أبيقور عندما تصوروا أنه لا يدعو إلا إلى اللذة الحسية.

أما الفلاسفة المحدثون أمثال بنتام ولوك وميل الذين قالوا بالمنفعة، فهم من الفلاسفة الماديين الحسيين.. ولذا فإن قولهم بمذهب المنفعة(*)، لا يعني سوى المنفعة المادية الحسية.

يتضح مما سبق :
أن اللذة مذهب(*) غير أخلاقي فلسفي يرى أن اللذة هي الشيء الخيِّر الوحيد في الوجود، واللذة إما أن تكون جسمية وإما أن تكون عقلية، وإذا كانت آلام العقل أقسى من آلام البدن، فإن الإنسان يجب أن يحيا حياة فاضلة حتى يستشعر اللذة، لأن رجحان كفة اللذة التي هي مبعث السعادة، يعني صيرورة حياة الإنسان مصدراً للمزيد من اللذة.

الســريـالـية

  السريالية "أي ما فوق الواقعية أو ما بعد الواقع" هي مذهب أدبي فني فكري، أراد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية، وزعم أن فوق هذا الواقع أو بعده واقع آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً، وهو واقع اللاوعي أو اللاشعور، وهو واقع مكبوت في داخل النفس البشرية، ويجب تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن. وهي تسعى إلى إدخال علاقات جديدة ومضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية. وهذه المضامين تستمد من الأحلام؛ سواء في اليقظة أو المنام، ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السبب والنتيجة، ومن هواجس عالم الوعي واللاوعي على السواء، بحيث تتجسد هذه الأحلام والخواطر والهواجس المجردة في أعمال أدبية. وهكذا تعتبر السريالية اتجاهاً يهدف إلى أبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف.
يعتبر مسرح العبث الابن الشرعي للسريالية.

التأسيس وأبرز الشخصيات :

 في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أصابت الإنسان الأوروبي صدمة هزت النفوس وبلبلت الأفهام، نتيجة للدمار الكامل وإزهاق الأرواح بلا حساب، فنشأت نزعة جارفة للتحلل من القيم الأخلاقية، وتحرير الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وامتدت هذه النزعة إلى الفن والأدب مما أدى إلى ظهور المذهب المعروف بالسريالية في فرنسا سنة 1924م التي بدأت بالسريالية النفسية، ثم دخلت السريالية مجالات الأدب والاجتماع والاقتصاد والفن، ومن أبرز الشخصيات السريالية:

- أندريه بريتون 1896 – 1966م وهو عالم نفس وشاعر فرنسي يعده النقاد مؤسس السريالية.

- ثورنتون وأيلور وهو كاتب مسرحي، ألف مسرحية جلد الإنسان بين الأسنان سنة 1942م، وهي مسرحية تجنح إلى الخيال والعنف الناتج عن اللاشعور عند شخصيات المسرحية.سلفادور دالي ولد سنة 1904م وهو رسام أسباني، ويعد من أبرز دعاة السريالية، وقد أضاف إليها إضافات كثيرة أبرزها أسلوبه الذي تميز به الذي دعاه "النقد المبني على الهلوسة" وكان يؤكد دائماً أنه أقرب إلى الجنون منه إلى الماشي نوماً، والمعرفة عنده تقوم على التداعي والتأويل.

الأفكار والمعتقدات:

= يمكن إجمال أفكار ومعتقدات السريالية فيما يلي:

- الاعتماد الكلي على الأمور غير الواقعية: مثل الأحلام والأخيلة.

- الكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، والبعيدة عن رقابة العقل، بدعوى أن الكلمات في اللاوعي لا تمارس دور الشرطي في رقابته على الأفكار، ولهذا تنطلق هذه الأفكار نشيطة جديدة.

- إهمال المعتقدات والأديان والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع.
- التركيز على الجانب السياسي والبحث عن برنامج وضعي (مادي ومحسوس) يصلح لتطوير المفاهيم الاجتماعية، لذلك تودد السرياليون للحزب الشيوعي، وبذلوا جهدواً كبيرة من أجل توسيع مجال تطبيق المادية الجدلية الماركسية.

- الثورة لتغيير حياة الناس، وتشكيل مجتمع ثوري بدلاً من المجتمع القائم، وشملت الثورة ثورة على اللغة التقليدية، وإحداث لغة جديدة.

- تزيت السريالية بأزياء مختلفة، فتارة تظهر كمجموعة من السحرة، وتارة تبدو كعصابة من قطاع الطرق، وتظهر تارة أخرى كأعضاء في خلية ثورية فهي حركة سرية هدفها تقويض الوضع الراهن.

- ويعد الغموض في التعبير الأدبي أو الفني في مجال الرسم، هدفاً ثابتاً للسرياليين.

الجذور الفكرية والعقائدية:

= تأثرت السريالية بآراء فرويد عالم النفس اليهودي في تحليله للنفس الإنسانية وخاصة تلك التي تتحدث عن اللاشعور والأحلام، والكبت ودعوته إلى تحرير الغرائز الإنسانية والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وإشباع الغرائز والرغبات إشباعاً حراً حتى لا تصاب بالأمراض النفسية كما يدَّعي. وهذه الآراء تتلاءم مع دعوتهم إلى التحلل الأخلاقي في المجتمع البشري.
=وكذلك تأثرت السريالية بالفكر الماركسي الشيوعي ودعوته إلى الثورة لتغيير المجتمع، واستخدام العنف في سبيل ذلك.. وبظهور المزاج الثوري حلت الفوضى السياسية والصراع الكامل محل النظام والانسجام.

= وقد تأثرت السريالية أيضاً بحركة سبقتها تُدعى الدادية التي ولدت في زيورخ بسويسرا سنة 1916م. وهي حركة فوضوية تكفر بالقيم السائدة والمعتقدات والتقاليد الاجتماعية وتدعو إلى العودة إلى البداية. ورائد هذه الحركة هو ترستان تزارا الذي يصفه كاتب أوروبي بأنه "المروِّج للفوضوية الفنية والاجتماعية".ولذا عد النقاد أن السريالية وريثة هذه الحركة الدادية في أفكارها وتوجهاتها وأسلوبها.

= بداية السريالية ونهايتها:

- بدأت السريالية بمجال النفس البشرية، ثم دخلت مجالات الأدب والفكر والسياسة والاجتماع والفن، ثم اقتحمت بشذوذها الثوري مجال العقيدة الدينية والتقاليد الاجتماعية واللغة، وأثارت جدالاً عنيفاً بين أقصى الكاثوليكية في الغرب وأقصى الشيوعية في الشرق.

- وأخذت السريالية في الانكماش والتقوقع بعد ربع قرن من نشوئها، وشعر دعاتها بعجزهم عن تحقيق أي هدف، وبعقم ثورتهم ضد القيم والمعتقدات الدينية، وإخفاقهم في إيجاد مسيحية جديدة، تخلص الإنسان من عذابه وضياعه – حسب زعمهم – وتحول عددٌ منهم بعد الحرب العالمية الثانية إلى الشيوعية والإلحاد، وجُنَّ بعضهم وأدخل المصحات العقلية والنفسية، وتحول البعض الآخر إلى العبثية في الأدب المعبر عن انعدام المعنى العام وراء السلوك الإنساني في العالم المعاصر.
-أما أفكارها ومبادئها فقد تبناها مذهب الحداثة الأدبي الفكري حيث صبت جميع جداول السريالية في مستنقعه الكبير

وهكذا انتهت السريالية، المعبرة عن فقدان الإنسان الغربي العقيدة الصحيحة، واعتماده على ضلالات فرويد النفسية في اللاشعور والأحلام. هذه الضلالات التي أدت إلى التحلل الأخلاقي وإطلاق الغرائز من عقالها، مما أودى بها بعد ربع قرن من نشوئها.
ويتضح مما سبق:

أن السريالية مذهب أدبي فني فكري غير ملتزم بالأديان، يهدف إلى التحلل من واقع الحياة الواعية، والرنو إلى واقع آخر هو واقع اللاوعي أو اللاشعور المكبوت في النفس البشرية، بحيث يتم تسجيل هذا الواقع في الأدب والفن، من خلال الاعتماد الكلي على الأمور غير الواقعية والكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، وإهمال الأديان والمعتقدات والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، والتركيز على الجانب السياسي وإذكاء الثورة لتغيير حياة الناس وتشكيل مجتمع ثوري بدلاً من المجتمع القائم، وتقويض الوضع القائم في المجتمع. وكل تلك الخصائص والغايات تبرر مدى خطورة مثل هذا المذهب الأدبي على القيم الدينية

حول مفهوم الإنسانية والمشترك الإنساني

إن كلمات من نوع "الإنسان" و "الإنساني" و "الأنسنة" و غيرها من اشتقاقات ، تتردد كثيراً في خطاب المثقفين العلمانيين العرب وأحياناً غير العلمانيين ، فهناك من يقول - دفاعاً عن رغبته في الأخذ عن الفكر الغربي - أن هذا الفكر هو فكر " إنساني " ولا ضير في الأخذ عنه ، وهناك من ينادي " بأنسنة الفكر الإسلامي " وقد تبنى مشروع الأنسنة في الثقافة العربية الإسلامية ( محمد أركون مثلاً ) . 

وفي حين كان الكثير من المحاضرين والمشتركين يتساءلون عن الحكمة من تنظيم مثل هذه الندوة في مثل هذا الوقت، حيث يرى الكثيرين في الصراع الدائر عالمياً صراع حضارات و صراع قيم ، كنت أتساءل مع نفسي ما هو المشترك وما هو قبل ذلك الإنساني؟.

وقبل أن نشرع في الإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أهميته ، ذلك أن كثيراً من الخلط الفكري و التشويه يشوب الثقافة العربية الحديثة جراء غياب تعريفات دقيقة لمصطلحات حمالة لأوجه متعددة ، من جهة أخرى فإن"الإنسانية" مصطلح مخادع فهو ككلمة مشتقة من الإنسان يحظى بمقبولية مسبقة لدى بني الإنسان ، إذ كيف يمكن لأحد أن ينفيه دون أن ينفي نفسه ؟

الإنسانوية كمفهوم حداثي

إن الأنسنة هي الطابع الغالب على الفكر الغربي الحديث ، بل هي إحدى الأفكار المؤسسة للمنظومة الغربية بشكل عام ، ولكي نجنب أنفسنا كثير من التداعيات الخاطئة ، فإننا سوف نتحدث عن "الإنسانوية" كتيار فلسفي ذو مضامين محددة تاريخياً و فكرياً .

يعود تيار " الإنسانوية " إلى عصور النهضة الأوروبية وقد هيمن هذا التيار على الأدب و الفنون و القيم الاجتماعية و الفردية لذلك العصر ، و قد جاءت هذه التسمية في سياق الصراع الذي نشب في تلك الفترة بين الكنيسة المسيحية التي هيمنت على الحياة الأوروبية طوال العصور الوسطى مع التيار الجديد الذي كان يسعى للتحرر لا من المسيحية فقط بل من الدين عامة ، و قد تصدى أنصار التيار الجديد للكنيسة وعارضوا طروحاتها من خلال العودة إلى الأصول اليونانية الرومانية السابقة للمسيحية .

لقد أطلق اسم   الإنسانويين Umanisti بداية على الشريحة المثقفة في عصر النهضة لأنها كانت مولعة ولعاً شديداً بالثقافة القديمة اليونانية و الرومانية الوثنية ، وكانوا يسمون دراسة الثقافة القديمة بالإنسانويات Umanita أو الآداب الأكثر إنسانية Litera Humaniores ، وقد سعى هؤلاء لإحياء التراث الأفلاطوني في الفلسفة في محاولة منهم للتصدي لأرسطو الذي تبنته الكنيسة وشيدت على أساسة كل علومها اللاهوتية.

لكنهم في الحقيقة لم يكونوا أوفياء لأفلاطون أو لغيره من فلاسفة اليونان بقدر ما كانوا يستخدمونهم في حربهم ضد المسيحية. لكن أكثر ما تعلق به " الإنسانويون " هو مقولة الفيلسوف اليوناني القديم (براتاغورس) "الإنسان هو مقياس كل ما هو موجود على انه موجود ، و كل ما هو غير موجود على أنه غير موجود" .

ولعل هذه المقولة هي أفضل مدخل لفهم المحتوى الفلسفي للإنسانوية ، يقول كرين برنتين في تعريف الإنسانوية : إن ( الإنسانيين ) كانوا كذلك " لأنهم اعتقدوا أن الإنسان هو معيار كل شيء و أن كل امرء مقياس نفسه . شعارهم ( الفردية ) ، كان هؤلاء الرجال فرديين يقابلون ( التابعين ) الجبناء الذين ينتمون إلى رهبان العصور الوسطى " .

وهكذا فإن بداية عصر النهضة ، هو بداية عصر الإنسانيات Umanita على مستوى الفكر و الأدب و الفن و الأخلاق ، بل و على مستوى الدين (فقد استكملت هذه الدعوة الإنسانوية بالاحتجاج البروتستانتي ، و هو في جوهره رفض للمؤسسة و سلطانها و تكريس للسلطة الفردية في شئون المعتقد) ، إن الإنسانوية هي ثورة شاملة على القديم بكل أشكاله ، فالإنساني يرفض المسيحية ، حتى و إن اقتصر الرفض في تلك المرحلة على رفض الأخلاق والمؤسسات ، ذلك لأن الدين المسيحي كما يقول ميكيافيلي في الأمير"يدعوننا إلى الاستخفاف بحب الدنيا و يجعلنا أكثر رقة و ليناً ، أما القدماء فكانوا على عكس هذا ، كانوا يجدون أسباب بهجتهم في هذا العالم " .

والإنسانوي يرفض الفلسفة المدرسية ، فلسفة تابعي أرسطو الجبناء من اللاهوتيين ، والإنساني يرفض الأخلاق السائدة و يحرر نفسه منها ، و يرفض التصور القديم للعالم .

و لنا أن نستمر طويلاً في الحديث عما يرفضه الإنساني ، و لكن مقابل هذا الكم اللامتناهي من النفي و السلب الهادف إلى تدمير القديم ، ما الذي يثبته ؟

إن الإنساني يثبت شيئاً واحداً و أساساً لكل ما يمكن أن يعترف به و يقبله - و هو الإنسان الفرد ، و لو حاولنا أن نختصر الإنسانية في كلمة واحدة لكانت هذه الكلمة - الفردية .

لقد بدأت الفردية تظهر أولاً كمبدأ أخلاقي ، ثم أصبحت مبدأً اجتماعياً و صارت في المحصلة مبدأً وجودياً (أنطولوجياً) يرى في الفرد صورة الواقع الأكثر جوهرية و قيمة عليا في الوجود ، أي أنها ترفض وجود أي مستوى أعلى من مستوى الوجود الفردي .

لقد عرف شيلر ، و هو إنسانوي متأخر من القرن التاسع عشر و بداية العشرين، في كتابه (الإنسانية ، 1893) بقوله إن هذا المذهب الفكري (ي المذهب الإنسانوي) هو التعبير الحديث عن مقولة براتاغورس القديمة في أن "الإنسان مقياس كل شيء" . لقد عبر هذا الإنساني المتأخر إلى حد ما ، عن جوهر الدعوة الإنسانية ، فهذه الدعوة هي دعوه لتحرير الإنسان من كل سلطة خارج حدود الإنسان ذاته، تحريره من فكرة الإله ، وتحريره من الكنيسة ، وتحريره من سلطه العادات .

لقد قام رابيليه - أحد ابرز رموز الأدب في عصر النهضة - بتأسيس ديره الخاص ، وقد أراد له أن يكون "ديراً علمانياً حقاً يقبل الرجال و النساء على السواء ، و قد نقش على مدخله هذا الأمر السار : افعل ما تشاء". لقد قدم رابيليه نموذجاً لما يعنيه (الإنسانوي) بالتحرر، هذه الفكرة التي تطورت بعد ذلك و كونت مضمون الفكرة اللبرالية .

إن المذهب الإنساني يرى بأن على الإنسان الفرد أن يصنع معاييره الخاصة للخطأ و الصواب و الخير و الشر و الجميل و القبيح . و الإنسان بعد ذلك هو سيد نفسه ، و سيد مصيره ، و هو سيد الطبيعة و لا مكان لأي سيد آخر في هذا الكون سوى الإنسان .

إن الإنسانوية باختصار هي تأليه الإنسان . هذا هو خلاصة الأمر في الحديث عن الإنسانوية كتيار فكرى أسس للحداثة الغربية منذ بدايات عصر النهضة ، إنه انقلاب على فكرة الإله لصالح الإنسان في فهم الكون و المجتمع ، و إن كل ما تلا ذلك من ازدهار للفكر الفلسفي في الغرب منذ القرن السابع عشر حتى بداية القرن العشرين ما هو إلا محاولة لإعادة بناء العالم معرفياً من زاوية الرؤية الجديدة التي يحتل فيها الإنسان نقطة المركز ، و ليس غريباً و الحال كذلك أن تكون هذه الحداثة قد وصلت إلى فكرة المادية ، و إلى بناء حضارة مادية ، فالمادية كامنة في أصولها الأولى.

الإنسان في الرؤية الإسلامية

نعود الآن إلى السؤال الذي أثرناه في بداية بحثنا ، إذا كان الإنسانية كتيار فكري في الغرب (و قد أسميناه بالإنسانوية) هي تأليه الإنسان عبر تكريس مركزيته الوجودية ، فما هي الإنسانية من وجهة نظر إسلامية ؟ و ما هي حقيقة تكريم الإنسان الواردة في القرآن الكريم ؟

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) ( الإسراء7) إن كرامة بني آدم هي خلقهم على فطرة تأهلهم لمعنى الخلافة الواردة في القرآن الكريم في أكثر من موضع (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) ( البقرة 3) و هذه الفطرة هي الحرية التي جُعلت في جبلتهم و التي يمتازون فيها عن أصناف المخلوقات الأخرى كالملائكة من المخلوقات العليا و البهائم من المخلوقات الدنيا ، و جعلتهم أهلاً لحمل الأمانة التي هي التكليف (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (الأحزاب 72 ) .

والتكليف له معنيان ، الأول: هو حرية الإرادة و القدرة على الفعل الحر و المختار في شروط الحياة الأرضية .

أما الثاني: فهو مسؤلية الإنسان عن هذا الفعل و هذا الاختيار ، هذه المسؤلية التي تتحدد تبعاً لها مكانة الإنسان الفرد الوجودية ، و إن أرقى مكانة للإنسان الفرد في الحياة هي مرتبة العبودية، حيث تتحقق الإرادة الإلهية السامية عبر الإرادة الإنسانية الحرة و المختارة ، ويتحقق غرض وغاية خلق الإنسان عبر الفعل الإنساني الحر والمختار، و بذلك يتحقق معنى الخلافة .

إذن فالإنسانية من منظور إسلامي هي كل ما هو مناسب لفطرة الإنسان ، و فطرة الإنسان كما هو كماله وغاية وجوده لا يتحقق إلا بالعبودية لله عز و جل. ولذلك فإن إنسانية الإنسان لا تتحقق في أي سياق يخرجه عن عبوديته لله كحقيقة مرتبطة بوجوده وإن الدين الذي هو مجموع العقائد و الشرائع والقيم و الأخلاقيات التي اشترعها الله لعباده هي ما يناسب فطرة الإنسان و هي ما يحقق إنسانيته .

وإن كل دعوة للإنسانية و الأنسنة و التأنيس و غير ذلك من مصطلحات الحداثة في ثقافتنا العربية الإسلامية هي دعوة مكذوبة إن لم تنبع من صميم الإسلام و من منطلقاته في فهم الإنسان والوجود .

وإني استغرب هذه الدعوات التي يطلقها البعض "للأنسنة" أي لتبني المنظور الإنسانوي الغربي للحياة و تكريس الإنسان كقيمة مطلقة في الوجود ، كما هو حاصل في الحضارة الغربية ، دون أن يرى في ذلك خروج بالإنسان من دائرة الأديان . و الحقيقة أن الأمر لا يعدوا أن يكون تلاعباً بالمصطلحات و خلطاً للمفاهيم .

في النهاية إذن . ما هو المشترك الإنساني ؟

إن المشترك الإنساني ليس محصلة جمع المتناقضات في سلة واحدة ، إن المشترك الإنساني هو ما يشكل حقيقة الإنسان ككائن مخلوق في هذه الدنيا ، إنه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فالإنسان ليس بإله وليس بمركز للكون . ولأننا لا نهدف في هذا المقام إلا أن نوضح الفرق الشاسع بين المفاهيم المختلفة وإن اشتركت بالاسم ، نقول: من حق من يشاء أن يدعوا للإنساوية الحديثة ، ولكن ليس من حقه أن يلبس دعوته رداءً إسلامياً.

و من حقه هنا ليس الحق بمعنى الحقيقة و لكن الحق بمعنى حرية الاختيار ، فما الذي نفعله إن كان البعض يمقت نفسه و يمقت بني الإنسان لدرجة أن نفسه تسول له أن يتأله.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) (غافر10) صدق الله العظيم .

العلمانية التاريخ والفكرة

يتردد كثيراً في وسائل الإعلام والمنتديات وعلى المنابر مصطلح «العلمانية»، والقليل من الناس من غير المتخصصين مَنْ لديه معلومات دقيقة، أو مفاهيم محددة واضحة عن العلمانية، ولعلِّي في هذه الكتابة أُسهم في بيان هذه الجوانب عن العلمانية وتوضيحها وكشفها؛ مع الاعتراف بصعوبة ذلك في الكتابة الصحفية، لما تستدعيه من الاختصار والإيجاز، ولما عوَّدت الصحافة الناس عليه من البساطة والخطابية؛ وعدم التوثيق العلمي الأكاديمي المتعارف عليه في الجامعات.

أصل العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية: (Secularism)، وهي من العِلْم؛ فتكون بكسر العين، أو من العَالَم فتكون بفتح العين، وهي ترجمة غير أمينة ولا دقيقة ولا صحيحة؛ لأن الترجمة الحقيقية للكلمة الإنجليزية هي «لا دينية، أو لا غيبية، أو الدنيوية، أو لا مقدس»، لكن المسوّقين الأُوَل لمبدأ العلمانية في بلاد الإسلام علموا أنهم لو ترجموها الترجمة الحقيقية لما قبلها الناس، ولردُّوها ونفروا منها، فدلَّسوها تحت كلمة (العلمانية) لإيهام الناس أنها من العلم، ونحن في عصر العلم، أو أنها المبدأ العالمي السائد والمتفق عليه بين الأمم والشعوب غير المنحاز لأمة أو ثقافة.

وكان أول من طرح هذا المصطلح في الساحة الثقافية العربية نصارى بلاد الشـام في القـرن التاسـع عشـر، وكان أول مـن طـرح هـذا المصطلح ـ حسب علمي ـ «إلياس بقطور» نصراني لبناني، في معجم أعده (عربي/ فرنسي)، ثم طرحه بَعدُ «البستاني» في معجميه اللذين ألَّفهما.

العلمانية بضاعة غربية:

لقد نشأت العلمانية في الغرب نشأة طبيعية نتيجة لظروف ومعطيات تاريخية: دينية واجتماعية وسياسية وعلمية واقتصادية ـ خلال قرون من التدرج والنمو الطبيعي، والتجريب والتكامل، حتى وصلت إلى صورتها التي هي عليها اليوم، وأهم هذه الظروف والمعطيات التي برزت وأنضجت التجربة العلمانية في الغرب هي:

1 - طبيعة الديانة النصرانية: ومبادئها الأساسية التي تقوم على الفصل بين الدين والدنيا، أو بين الكنيسة والدولة ونظم الحياة المختلفة؛ فهي ديانة روحية شعائرية لا شأن لها بنظم الحياة وشؤون الحكم والمجتمع؛ يعبر عن ذلك الشعار النصراني الشهير: «دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر»، ولهذا فإن النصارى أمماً وشعوباً حين يندفعون للبحث عن تنظيم أمور حياتهم في العلمانية أو غيرها لا يشعرون بأي حرج من ناحية دينهم ومعتقدهم؛ بل إن طبيعة دينهم تدفعهم لهذا الأمر؛ ولذلك فإن نشأة العلمانية وانتشارها وسيادتها في المجتمعات الغربية أمر طبيعي.

2 - الصراع الذي نشأ بين الكنيسة والكشوف العلمية في جوانب الحياة المختلفة: فعلى الرغم من أن الديانة النصرانية ديانة روحية صرفة؛ إلا أن المؤسسة الكنسية تبنت بعض النظريات العلمية القديمة في بعض العلوم، ثم بمرور الزمن جعلتها جزءاً من الدين يُحكَم على كل من يخالفها بالردة والمروق والهرطقة، وحين تطورت العلوم الطبيعية تبين أن الكثير من تلك النظريات كان خاطئاً وخلاف الصواب والحقيقة، وانبرت الكنيسة تدافع عن تلك الأخطاء باعتبارها الدين، واشتعلت الحرب، وسقط ضحايا التزمُّت الخرافي والتعصب الأعمى غير المسوّغ من علماء الطبيعة ما بين مقتول ومحروق ومشنوق، ومارست الكنيسة أقصى درجات القمع الفكري والبدني على معارضيها بزعمها، وجنت الكنيسة على الدين حين صوَّرته للناس دين الخرافة والدجل والكذب بسبب إصرارها على أن تنسب إليه ما هو منه براء. وحين تكشفت للناس الحقائق وقامت البراهين القاطعة على صحة أقوال أهل العلم انحازوا للحقيقة ونبذوا الكنيسة ودينها، أو على الأصح ردُّوا الديانة النصرانية المحرفة إلى أصلها وطبيعتها وحقيقتها، لا شأن لها بالعلم والحياة والنظم والكشوف، فكان ذلك دفعة جديدة لسيادة العلمانية تدعمها الكشوف العلمية والعقول المفكرة.

3 - ظهور حركات اجتماعية فكرية سياسية: وقد أدى انتصار العلم في النهاية إلى ثورة علمية وكشوف جغرافية، فكان أن قامت في الغرب حركة اجتماعية فكرية سياسية شاملة نفضت غبار الماضي، وثارت على كل قديم، واحتدمت نيران الصراع بين القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة والقوى القديمة التي يمثلها الإقطاع وطبقات النبلاء، وانحازت الكنيسة أيضاً للقوى القديمة، بينما كانت القوى الجديدة تطالب بالحريات والمساواة، وترفع شعار حقوق الإنسان، ويدعمها العلم وحقائقه، وتطور الحياة وسننها، فالتفَّت الشعوب والجماهير حول القوى الجديدة الداعية إلى التقدم الاجتماعي والتطور الفكري والسياسي، وكان يدعم هذا التوجه ما عاشته الشعوب من ظلم واستغلال بشع في ظل الإقطاع والكنيسة، وكانت العلمانية اللادينية هي اللافتة والراية التي اجتمعت القوى الجديدة تحتها، وبانتصار هذه القوى انتصرت العلمانية، واندحرت الديانة النصرانية، وأخذت القوى الجديدة تبشر بعصر جديد يسعد فيه الإنسان، وتحل جميع مشكلاته، ويعم السلام والرفاهية والإخاء جميع الشعوب، وهو ما لم يتحقق إلا بعضه كما سنرى بعد قليل.

نتائج العلمانية في الغرب:

حين تحرر الإنسان الغربي من سيطرة الكنيسة والإقطاع تحرر من سيطرة الخرافة والدجل والظلم، ورافق ذلك بزوغ فجر التقدم الصناعي والثورة العلمية التقنية، وحين أخذت الشعوب الغربية بالنهج العلماني الجديد في إطار المستجدات العلمية والاجتماعية والفكرية والسياسية الجديدة كانت نتائج ذلك:

1 - التقدم العلمي الهائل: إذ إن العقل الغربي الذي كان أسير الأساطير تاريخياً، والخرافة دينياً وعلمياً، تحرر من ذلك كله وانطلق يبحث ويجرب ويفكر ويستقصي، فأبدع في هذا المجال بما لم تعرفه البشرية في تاريخها، وقدم الغرب للإنسانية من نتائج علمه ثورة صناعية هائلة غيرت وجه الأرض، وطبيعة علاقة الإنسان بالبيئة المادية من حوله.

2 - الرخاء الاقتصادي الواسع الذي أصبحت تعيشه الشعوب الغربية ولم تحرمه شعوب العالم الأخرى: إذ إن منجزات العلم وُظفت في العديد من جوانبها لرفاهية الإنسان في ضرورياته من غذاء وكساء وعلاج وسكن وخدمات، بل تجاوز كثير من الشعوب توفير الضروريات إلى التوسع في الكماليات بصورة متميزة لم تعرف لها البشرية مثيلاً في الجملة وبصورة عامة.

3 - الاستقرار السياسي: واستبعاد صور العنف وأشكاله في التعبير عن الآراء والتوجهات السياسية، وترسيخ آليات وأخلاقيات وقوانين وأعراف للحوار أو الصراع السياسي، وتوفير ضمانات للحريات السياسية، وعدم الاضطهاد، وتنظيم العلاقة بين الشعوب وحكامها؛ فكان هذا النهـج السياسـي في آلياته ووسائله وأساليبه ـ لا في فلسفته ومحتواه الفكري ـ أمناً وسلاماً على الشعوب الغربية بعد عصور الدماء والتطاحن والثورات، وأصبح مثالاً يُحتذى من كافة شعوب الأرض، ويسعى الجميع لاستيراده وتطبيقه باعتباره نهاية التاريخ، وغاية التطور، وسقف الحضارة الذي لا يمكن تجاوزه.

4 - احترام حقوق الإنسان وحرياته: وبالذات الإنسان الغربي، وبالمفهوم الغربي أيضاً للحقوق والحريات؛ حيث أصبح زعيم أكبر دولة في العالم وأقواها يُحقق معه، ويُحاكم كأي فرد ـ مهما ضعف وتضاءل ـ من شعبه، وبحيث أصبحت السيادة للقانون، ودَور السلطة هو حماية القانون وتنفيذه، وخدمة الأمة وحمايتها، والنزول على رأيها ورغبتها، مع الأخذ في الاعتبار أن المفاهيم الغربية عن حقوق الإنسان والحريات ليست هي المفاهيم الصحيحة، ولا الأولى والأجدى لحياة الإنسان، بسبب منطلقاتها المادية الإلحادية الإباحية، لكنها بلا شــك تحتوي على قدر لا بأس به من قيم العدل والمساواة والإنصاف بمعايير القوانين الوضعية.

5 - انتشار الإلحاد بجميع صوره وأشكاله في حياة الغربيين: نتيجة لهزيمة الكنيسة والدين في مواجهة العلمانية، مما أدى لتحييد الدين عن شؤون الحياة العامة، واقتصاره على الجانب الفردي الاختياري في حياة الإنسان، ولأول مرة في تاريخ البشرية تقوم دول وأنظمة ومعسكرات عالمية تتبنى الإلحاد في أشد صوره غلواً وتطرفاً ومادية، وتصادم فطرة الإنسان، وتصادر ضرورات العقل في الإيمان ومستلزماته تحت شعار تقديس العقل، وإنما هو تسفيه العقل والعياذ بالله.

6 - السيطرة الغربية على شعوب العالم الأخرى، واستعمارها، واستعبادها، واستغلال خيراتها، والتنافس بين الدول الغربية في ذلك مما تسبب في قيام حربين عالميتين ذهب ضحيتهما عشرات الملايين من البشر، وما زال التهديد قائماً بحرب ثالثة قد تكون سبباً في دمار الأرض، والقضاء على الحضارة البشرية، ومنجزاتها عبر التاريخ. فالغرب نتيجة للثورة العلمية، والقوة الاقتصادية، والكشوف الجغرافية، وتراجع المد الإسلامي في الأندلس وغيرها، أخذت أساطيله تمخر عباب البحار والمحيطات، وتتسابق للاستيلاء على الممالك والأقاليم، وتقاسمت العالم، ونهبت ثرواته، واستغلت شعوبه، وصادرت عقائده، وتجاهلت خصائص كل أمة وقيمها وثقافتها، وقامت حروب التحرر والمقاومة للاستعمار، وسالت دماء الشعوب أنهاراً، وتم في النهاية جلاء القوى العسكرية الاستعمارية من أغلب بقاع العالم، ولكن بعد أن فرض الغرب رؤيته وأفكاره وأيديولوجيته، وربَّى على ذلك النخب الفكرية والسياسية في شعوب ما سُمي بالعالم الثالث، وسلمها زمام الأمر من بعده، فواصلت حمل راية العلمانية، وتطرفت في تطبيقها بالحديد والنار كما سنرى فيما يأتي من حديث.

7 - العجز عن حل المعضلة الإنسانية التاريخية في غرس اليقين والطمأنينة في نفس الإنسان، والإجابة عن تساؤلاته الكبرى المصيرية الملازمة له عبر تاريخه عن حقيقة وجوده وبيان ماهيته، ورسالته، ودوره ووظيفته، وإلى أين مآله ومصيره ونهايته؟

هذا الأمر الذي كان محور اهتمام المذاهب والفلسفات والمبادئ والنظريات، وموضوع الملل والنحل والرسالات السماوية هو ما بشرت به العلمانية في بداياتها من أنها بالعلم ستصل فيه إلى الإجابات الشافية الكافيـة، وأنـه لا مشكلة للإنسان بعد اليوم.

ولكن ها نحن بعد أن عاشت الحضارة الغربية قرابة ثلاثة قرون في ظل العلمانية نرى الإنسان الغربي يعيش مأزقاً نفسياً روحياً فكرياً وجودياً أشد عمقاً وتأزماً من مأزقه حين بشرت العلمانية بحل معضلته، على الرغم من التقدم المادي والرفاه المعيشي الذي يعيشه هذه الأيام، وصدق القائل ـ سبحانه ـ: {$ّمّنً أّعًرّضّ عّن ذٌكًرٌي فّإنَّ لّهٍ مّعٌيشّةْ ضّنكْا} [طه: 124].

وسائل وطرائق انتقال العلمانية من الغرب للشرق:

لقد بزغ نجم العلمانية وعلا شأنه في الغرب في ظل الظروف التي أشرنا إليها، وقد صاحب ظهورها في الغرب انحطاط وتخلف وهزائم في الشرق، مما أتاح للغرب أن يتسلم زمام قيادة ركب الحضارة البشرية بما أبدعه من علم وحضارة، وما بذله من جهد وتضحية، فكان أمراً طبيعياً أن يسعى الغرب لسيادة نموذجه الحضاري الذي يعيشه، وأن يسوقه بين أمم الأرض؛ لأنه بضاعته التي لا يملك غيرها، ولأنه أيضاً الضمانة الكبرى لبقاء الأمم الأخرى تدور في فلك التبعية له، وتكدح في سبيل مدنيته وازدهار حضارته.

وكان تسويق الغرب للعلمانية في الشرق الإسلامي من خلال الوسائل والطرق الآتية:

1 - من خلال الاحتلال العسكري الاستعماري: فقد وفدت العلمانية إلى الشرق في ظلال الحراب العسكرية، وعبر فوهات مدافع البوارج البحرية، ولئن كانت العلمانية في الغرب نتاج ظروف ومعطيات محلية متدرجة عبر أزمنة متطاولة، فقد ظهرت في الشرق وافداً أجنبياً متكامل الرؤى والأيديولوجيات والبرامج، يطبق تحت تهديد السلاح وبالقسر والإكراه كمن يصرُّ على استنبات نبتات القطب الجليدي في المناطق الاستوائية، وفي هذا من المصادمة لسنن الله في الحياة ما يقطع بإخفاق التجربة قبل تطبيقها؛ لأن الظروف التي نشأت فيها العلمانية وتكامل مفهومها عبر السنين تختلف اختلافاً جذرياً عن ظروف البلدان التي جُلبت إليها جاهزة متكاملة في الجوانب الدينية والأخلاقية والاجتماعية والتاريخية والحضارية؛ فالشرط الحضاري الاجتماعي التاريخي الذي أدى إلى نجاح العلمانية في الغرب مفقود في الشرق، بل في الشرق نقيضه تماماً ـ وأعني بالشرق هنا الشرق الإسلامي ـ ولذلك فلا عجب إن كانت النتائج مختلفة تماماً كما سنرى. وحين نشأت الدولة العربية الحديثة كانت عالة على الغربيين الذين كانوا حاضرين من خلال الهيمنة الغربية في المنطقة، ومن خلال المستشارين الغربيين، أو من درسوا في الغرب واعتنقوا العلمانية؛ فكانت العلمانية في أحسن الأحوال أحد المكونات الرئيسية للإدارة في مرحلة تأسيسها، وهكذا بُذرت بذور العلمانية على المستوى الرسمي قبل جلاء جيوش الاستعمار عن البلاد التي ابتليت بها.

2 - من خلال البعثات العلمية التي ذهبت من الشرق إلى الغرب لطلب العلم والتقدم، فعاد الكثير منها بالعلمانية لا بالعلم، ذهبوا لدراسة الفيزياء والأحياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك والرياضيات فعادوا بالأدب واللغات والاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية والنفسية، بل بدراسة الأديان وبالذات الدين الإسلامي في الجامعات الغربية، ولك أن تتصور حال شاب مراهق يحمل الشهادة الثانوية ويُلقى به بين أساطين الفكر العلماني الغربي على اختلاف مدارسه، بعد أن يكون قد سقط إلى شحمة أذنيه في حمأة الإباحية والتحلل الأخلاقي، وما أوجده كل ذلك لديه من صدمة نفسية واضطراب فكري ليعود بعد عقد من السنين بأعلى الألقاب الأكاديمية، وفي أهم المراكز العلمية، بل القيادية في وسط أمة أصبح ينظر إليها بازدراء، وإلى تاريخها بريبة واحتقار، وإلى قيمها ومعتقداتها وأخلاقها ـ في أحسن الأحوال ـ بشفقة ورثاء؛ إنه لن يكون بالضرورة إلا وكيلاً تجارياً لمن علَّموه وثقَّفوه ومدَّنوه، وهو لا يملك غير ذلك، ولئن كان هذا التوصيف للبعثات الدراسية ليس عاماً فإنه الأغلب وبالذات في أوائــل عصـر البعثات، ومـا «طه حــسين» و «رفاعة الطهطاوي» إلا أمثلة خجلى أمام غيرهم من الأمثلة الصارخة الفاقعة اللون مثل «زكي نجيب محمود» و «محمود أمين العالم» و «فؤاد زكريا» و «عبد الرحمن بدوي» وغيرهم الكثير، ولئن كان هذا الدور للبعثات العلمية تم ابتداءاً من خلال الابتعاث لعواصم الغرب فإن الحواضر العربية الكبرى مثل «القاهرة ـ بغداد ـ دمشق» أصبحت بعد ذلك من مراكز التصدير العلماني للبلاد العربية الأخرى من خلال جامعاتها وتنظيماتها وأحزابها وبالذات لدول الجزيرة العربية.

وقلَّ من يسلم من تلك اللوثات الفكرية العلمانية، حتى أصبح في داخل الأمة طابور خامس، وجهته غير وجهتها، وقبلته غير قبلتها، وإنهم لأكبر مشكلة تواجه الأمة لفترة من الزمن ليست بالقليلة.

3 - من خلال البعثات التبشيرية: فالمنظمات التبشيرية النصرانية التي جابت العالم الإسلامي شرقاً وغرباً من شتى الفرق والمذاهب النصرانية جعلت هدفها الأول زعزعة ثقة المسلمين بدينهم، وإخراجهم منه، وتشكيكهم فيه، حتى وإن لم يعتنقوا النصرانية، وليس أجدى من العلمانية وسيلة لهذا الغرض، والأمر ليس من باب التخمين والافتراض؛ بل نطقت بهذا أفواههم، وخطَّته أقلامهم، وإن شئت فارجع إلى كتاب: «الغارة على العالم الإسلامي » مثلاً ليتبين لك ذلك، وهؤلاء المبشرون إما من الغربيين مثل «زويمر» و «دنلوب»، وإما من نصارى العرب مثل «أديب إسحاق» و «شبلي شميل» و «سلامة موسى» و «جرجي زيدان» وأضرابهم، ومنهم من كان يعلن هويته التبشيرية ويمارس علمنة أبناء المسلمين «كزويمر»، ومنهم من كان يعلن علمانيته فقط، ويبذل جهده في ذلك كـ «سلامة موسى» و «شبلي شميل».

4 - من خلال المدارس والجامعات الأجنبية: ففي أواخر الدولة العثمانية وحين سيطر الماسونيون العلمانيون على مقاليد الأمر سُمح للبعثات التبشيرية والسفارات الغربية بإنشاء المدارس والكليات، وانتشرت في بلاد الشام والأناضول انتشار النار في الهشيم، وخرَّجت أجيالاً من أبناء المسلمين وبناتهم أصبحوا بعد ذلك قادة الفكر والثقافة، ودعاة التحرر والانحلال، ومن الأمثلة على ذلك الجامعة الأمريكية في بيروت، والتي في أحضانها نشأ العديد من الحركات والجمعيات العلمانية، وقد سرت العدوى بعد ذلك إلى الكثير من الجامعات والمؤسسات التعليمية الرسمية في العديد من البلاد العربية والإسلامية، وقد قام خريجو هذه المدارس والجامعات بممارسة الدور نفسه حين عادوا لبلدانهم أو ابتعثوا للتدريس في بعض البلدان الأخرى. وإن المتابع لما ينشر من مذكرات بعض العلمانيين في البلاد التي لم تبتلَ بهذه المدارس ليتبين له بجلاء ووضوح الدَور الكبير الذي قام به العلمانيون العرب من الذين استقدموا للتدريس في تربية طلابهم وإقناعهم بالعلمانية، سواء من خلال التنظيمات الحزبية أو من خلال البناء الفكري الثقافي لأولئك الطلاب.

5 - من خلال الجمعيات والمنظمات والأحزاب العلمانية التي انتـشرت في الأقطار العربـية والإسلامية، ما بين يسارية وليبرالية وقومية وأممية وسياسية واجتماعية وثقافية وأدبية، بجميع الألوان والأطياف، وفي جميع البلدان؛ حيث إن النخب الثقافية في غالب الأحيان كانوا إما من خريجي الجامعات الغربية أو الجامعات السائرة على النهج ذاته في الشرق، وبعد أن تكاثروا في المجتمع عمدوا إلى إنشاء الأحزاب القومية أو الشيوعية أو الليبرالية، وجميعها تتفق في الطرح العلماني، وكذلك أقاموا الجمعيات الأدبية والمنظمات الإقليمية أو المهنية، وقد تختلف هذه التجمعات في أي شيء إلا في تبني العلمانية، والسعي لعلمنة الأمة كلٌ من زاوية اهتمامه، والجانب الذي يعمل من خلاله. ومن الأمور اللافتة للنظر أن أشهر الأحزاب العلمانية القومية العربية إنما أسسها نصارى بعضهـم ليسوا مـن أصـول عربية! أمـثال «ميشيل عفلق» و «أنطون سعادة» و «جورج حبش»، والكثرة الساحقة من الأحزاب الشيوعية العلمانية إنما أسسها يهود مليونيرات أمثال «كوريل».

6 - من خلال البعثات الدبلوماسية: سواء كانت بعثات للدول الغربية في الشرق، أو للدول الشرقية في الغرب؛ فقد أصبحت في الأعم الأغلب جسوراً تمر من خلالها علمانية الغرب الأقوى إلى الشرق الأضعف من خلال الاقتداء، ومن خلال المنح الدراسية وحلقات البحث العلمي، والتواصل الاجتماعي، والمناسبات والحفلات، ومن خلال الضغوط الدبلوماسية والابتزاز الاقتصادي، وليس بسرٍّ أن بعض سفارات الدول الكبرى أكثر أهمية وسلطة من القصر الرئاسي، أو مجلس الوزراء في تلك الدول الضعيفة التابعة!

7 - من خلال وسائل الإعلام المختلفة: من مسموعة أو مرئية أو مقروءة؛ لأن هذه الوسائل كانت من الناحية الشكلية من منتجات الحضارة الغربية ـ صحافة أو إذاعة أو تلفزة ـ فاستقبلها الشرق واستقبل معها فلسفتها ومضمون رسالتها، وكان الرواد في تسويق هذه الوسائل وتشغيلها والاستفادة منها إما من النصارى أو العلمانيين من أبناء المسلمين، فكان لها الدور الأكبر في الوصول لجميع طبقات الأمة، ونشر مبادئ العلمانية وأفكارها وقيمها، وبالذات من خلال الفن، وفي الجانب الاجتماعي بصورة أكبر.

هكذا سرت العلمانية في كيان الأمة، ووصلت إلى جميع طبقاتها قبل أن يصلها الدواء والغذاء والتعليم في كثير من الأحيان، فكان كما يقول المثل: «ضغث على إبالة»، ولو كانت الأمة حين تلقت هذا المنتج العصري تعيش في مرحلة قوة وشموخ وأصالة لوظفت هذه الوسائل الإعلامية توظيفاً آخر يتفق مع رسالتها وقيمها وحضارتها وتاريخها وأصالتها.

8 - من خلال التأليف والنشر: في فنون شتى من العلوم وبالأخص في الأدب والفكر؛ فقد جاءت العلمانية وافدة في كثير من الأحيان تحت شعارات المدارس الأدبية المختلفة، متدثرة بدعوى رداء التجديد والحداثة، معلنة الإقصاء والإلغاء والنبذ والإبعاد لكل قديم في الشكل والمضمون، وفي الأسلوب والمحتوى، ومثل ذلك في الدراسات الفكرية المختلفة في علوم الاجتماع والنفس، والعلوم الإنسانية المختلفة؛ حيث قدمت لنا نتاج كبار ملاحدة الغرب وعلمانييه على أنه الحق المطلق، بل العلم الأوحد ولا علم سواه في هذه الفنون، وتجاوز الأمر التأليف والنشر إلى الكثير من الكليات والجامعات والأقسام العلمية التي تنسب لأمتنا اسماً، ولغيرها حقيقة، وإن كان الأمر في أقسام العلوم الأخرى من طب وهندسة ورياضيات وفيزياء وكيمياء وأمثالها يختلف كثيراً ولله الحمد والمنة، وهي الأقسام ـ أيضاً ـ التي توجه لها أبناء الأمة الأصلاء ممن لم يتلوثوا بلوثات العلمانية، فحاولوا أن ينقلوا للأمة ما يمكن أن تستفيد منه من منجزات التقدم الغربي مع الحفاظ على هويتها وأصالتها وقيمها.

9 - من خلال الشركات الغربية الكبرى التي وفدت لبلاد المسلمين مستثمرة في الجانب الاقتصادي؛ لكنها لم تستطع أن تتخلى عن توجهاتها الفكرية، وقيمها وأنماط حياتها الاجتماعية؛ وهذا أمر طبيعي، فكانت من خلال ما جلبته من قيادات إدارية وعمالة فنية احتكت بالشعوب الإسلامية سبباً مهماً في نشر الفكر العلماني وقيمه الاجتماعية، وانعكاساته الأخلاقية والسلوكية، ولعل من المفارقات الجديرة بالتأمل أن بعض البلدان التي كان يعمل فيها بعض الشركات الغربية الكبرى من أمريكية وبريطانية لم تبتلَ بالتنظيمات اليسارية، ولم تنشأ إلا في هذه الشركات في أوج اشتعال الصراع بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الغربي.

بعض ملامح العلمانية الوافدة:

لقد أصبح حَمَلَةُ العلمانية الوافدة في بلاد الشرق بعد مائة عام من وفودها تياراً واسعاً متنفذاً غالباً على نخبة الأمة وخاصتها في الميادين المختلفة، من فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية، وكان يتقاسم هذا التيار الواسع في الجملة اتجاهان:

أ - الاتجـاه اليساري الراديـكالــي الثوري: ويمثله ـ في الجملة ـ أحزاب وحركات وثورات ابتليت بها المنطقة ردحاً من الزمن، فشتَّتت شمل الأمة ومزقت صفوفها، وجرّت عليها الهزائم والدمار والفقر وكل بلاء، وكانت وجهة هؤلاء الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه، سواء كانوا شيوعيين أمميين، أو قوميين عنصريين.

ب - الاتجاه الليبرالي ذو الوجهة الغربية لأمريكا ومن دار في فلكها من دول الغرب: وهؤلاء يمثلهم أحزاب وشخصيات قد جنوا على الأمة بما أشاعوه من الإباحية، والتحلل، والتفسخ، والسقوط الأخلاقي، والعداء لدين الأمة وتاريخها.

وللاتجاهين ملامح متميزة أهمها:

1 - مواجهة التراث الإسلامي: إما برفضه بالكلية واعتباره من مخلفات عصور الظلام والانحطاط والتخلف ـ كما عند غلاة العلمانية ـ أو بإعادة قراءته قراءة عصرية ـ كما يزعمون ـ لتوظيفه توظيفاً علمانياً من خلال تأويله على خلاف ما يقتضيه سياقه التاريخي من قواعد شرعية، ولغة عربية، وأعراف اجتماعية، ولم ينجُ من غارتهم تلك حتى القرآن والسنة، إما بدعوى بشرية الوحي، أو بدعوى أنه نزل لجيل خاص أو لأمة خاصة، أو بدعوى أنه مبادئ أخلاقية عامة، أو مواعظ ورقائق روحية لا شأن لها بتنظيم الحياة، ولا بيان العلم وحقائقه، ولعل من الأمثلة الصارخة للرافضين للتراث، والمتجــاوزين له «أدونيس»، و « محمــود درويــش»، و «البياتي»، و «جابر عصفور»، ومن لفَّ لفَّهم وشايعهم، وهم كُثر لا كثَّرهم الله.

أما الذين يسعون لإعادة قراءته وتأويله وتوظيفه فمــن أشهرهــم: «حسن حنفــي»، و «محمــد أركون»، و «محمد عابد الجابري»، و «حسين أحمد أمين»، ومن على شاكلتهم، ولم ينج من أذاهم شيء من هذا التراث في جميع جوانبه.

2 - اتهام التاريخ الإسلامي: بأنه تاريخ دموي استعماري عنصري غير حضاري، وتفسيره تفسيراً مادياً، بإسقاط نظريات تفسير التاريخ الغربية العلمانية على أحداثه، وقراءته قراءة انتقائية غير نزيهة ولا موضوعية، لتدعيم الرؤى والأفكار السوداء المسبقة حيال هذا التاريخ، وتجاهل ما فيه من صفحات مضيئة مشرقة، والخلط المتعمد بين الممارسة البشرية والمنهج الإسلامي الرباني، ومحاولة إبراز الحركات الباطنية والأحداث الشاذة النشاز وتضخيمها، والإشادة بها، والثناء عليها، على اعتبار أنها حركات التحرر والتقدم والمـساواة، والثورة على الظلـم مـثل: «ثــورة الزنـج»، و «ثورة القرامطة». ومثل تلك الحركات الفكرية الشاذة، والبعيدة عن الإسلام الحق، وتكريس أنها من الإسلام، بل هي الإسلام، مثل القول بوحدة الوجود، والاعتزال وما شابه ذلك من أمور تؤدي في نهاية الأمر إلى تشويه الصورة المضيئة للتاريخ الإسلامي لدى ناشئة الأمة وأجيالها المتعاقبة.

3 - السعي الدؤوب لإزالة مصادر المعرفة والعلم الراسخة في وجدان المسلم، والمسيِّرة والمؤطرة للفكر والفهم الإسلامي في تاريخه كله أو زعزتها، من خلال استبعـاد الوحـي مصــدراً للمعرفـة والعلم، أو تهميشه ـ على الأقل ـ وجعله تابعاً لغيره من المصادر كالعقل والحس، وما هذا إلا أثر من آثار الإنكار العلماني للغيب، والسخرية من الإيمان بالغيب، واعتباره ـ في أحسن الأحوال ـ جزءاً من الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية، والترويج لما يسمى بالعقلانية والواقعية والإنسانية، وجعل ذلك هو البديل الموازي للإيمان في مفهومه الشرعي الأصيل، وكسر الحواجز النفسية بين الإيمان والكفر؛ ليعيش الجميع تحت مظلة العلمانية في عصـر العـولمة، وفي كتابـات «محمــد عـابد الجابري»، و «حسن حنفي»، و «حسين مروة»، و «العروي»، وأمثالهم الأدلة على هذا الأمر.

4 - خلخلة القيم الخلقية الراسخة في المجتمع الإسلامي، والمسيِّرة للعلاقات الاجتماعية القائمة على معاني الأخوة والإيثار، والطهر والعفاف، وحفظ العهود، وطلب الأجر، وأحاسيس الجسد الواحد، واستبدالهم بها قيم الصراع، والاستغلال والنفع، وأحاسيس قانون الغاب والافتراس، والتحلل والإباحية، من خلال الدراسات الاجتماعية والنفسية، والأعمال الأدبية والسينمائية والتلفزيونية، مما هزّ المجتمع الشرقي من أساسه، ونشَرَ فيه من الجرائم والصراع ما لم يعهده أو يعرفه في تاريخه، ولعل رواية «وليمة لأعشاب البحر» ـ السيئة الذكر ـ من أحدث الأمثلة على ذلك، والقائمة الطويلة من إنتاج «محمد شكري»، و «الطاهر بن جلون»، و «الطاهر وطار»، و «تركي الحمد»، وغيرهم الكثير تتزاحم لتؤدي دورها في هدم الأساس الخلقي الذي قام عليه المجتمع، واستبداله بأسس أخرى.

5 - رفع مصطلح الحداثة لافتة فلسفية اصطلاحية بديلة لشعار التوحيد: والحداثة بوصفها مصطلحاً فكرياً ذا دلالات محددة ـ هذه الحداثة تقوم على مادية الحياة، وهدم القيم والثوابت، ونشر الانحلال والإباحية، وأنسنة الإله، وتلويث المقدسات، وجعل ذلك إطاراً فكرياً للأعمال الأدبية، والدراسات الاجتماعية، مما أوقع الأمة في أسوأ صور التخريب الفكري الثقافي.

6 - استبعاد مقولة: (الغزو الفكري) من ميادين الفكر والثقافة، واستبدالها بمقولة: (حوار الثقافات)، مع أن الواقع يؤكد أن الغزو الفكري حقيقة تاريخية قائمة لا يمكن إنكارها كإحدى مظاهر سُنّة التدافع التي فطر الله عليها الحياة، وأن ذلك لا يمنع الحوار؛ لكنها سياسة التخدير والخداع والتضليل التي يتبعها التيار العلماني، ليسهل تحت ستارها ترويج مبادئ الفكر العلماني بعد أن تفقد الأمة مناعتها وينام حراس ثغورها، وتتسلل في أجزائها جراثيم الغزو العلماني القاتل وفيروساته.

7 - وَصْم الإسلام بالأصولية والتطرف وممارسة الإرهاب الفكري عبر غوغائية ديماجوجية إعلامية غير شريفة، ولا أخلاقية، لتخويف الناس من الالتزام بالإسلام، والاستماع لدعاته، وعلى الرغم من وقوع الأخطاء ـ وأحياناً الفظيعة ـ من بعض المنتمين أو المدَّعين للإسلام، إلا أنها نقطة في بحر التطرف والإرهاب العلماني الذي يُمارس على شعوب بأكملها، وعبر عقود من السنين؛ لكنه عدم المصداقية، والكيل بمكيالين، والتعامي عن الأصولية النصرانية واليهودية الموغلة في الظلامية والعنصرية والتخلف.

8 - تمييع قضية الحِلِّ والحُرمة: في المعاملات والأخلاق، والفكر والسياسة، وإحلال مفهوم اللذة والمنفعة والربح المادي محلها، واستخدام هذه المفاهيم في تحليل المواقف والأحداث، ودراسة المشاريع والبرامج، أي فك الارتباط بين الدنيا والآخرة في وجدان الإنسان وفكره وعقله، ومن هنا ترى التخبط الواضح في كثير من جوانب الحياة الذي يعجب له من نوَّر الله قلبه بالإيمان، ولكن أكثرهم لا يعلمون.

9 - دق طبول العولمة واعتبارها القدر المحتوم الذي لا مفر منه ولا خلاص إلا به: دون التمييز بين المقبول والمرفوض على مقتضى المعايير الشرعية؛ بل إنهم ليصرحون بأن أي شيء في حياتنا يجب أن يكون محل التساؤل دون التفريق بين الثوابت والمتغيرات مما يؤدي إلى تحويل بلاد المشرق إلى سوق استهلاكية لمنتجات الحضارة الغربية، والتوسل لذلك بذرائعية نفعية محضة لا يسيِّرها غير أهواء الدنيا وشهواتها.

10 - الاستهزاء والسخرية والتشكيك: في وجه أي محاولة لأسلمة بعض جوانب الحياة المختلفة المعاصرة في الاقتصاد والإعلام والقوانين، ولعل الهجوم المستمر على المملكة العربية السعودية بسبب احتكامها للشريعة في الحدود والجنايات من هذا المنطلق، وإن مرَّروا هجومهم وحقدهم تحت دعاوى حقوق الإنسان وحرياته، ونسوا أو تناسوا الشعوب التي تسحق وتدمر وتقتل وتغتصب بعشرات الآلاف، دون أن نسمع صوتاً واحداً من هذه الأصوات النشاز يبكي لها ويدافع عنها، لا لشيء إلا أن الجهات التي تقوم بانتهاك تلك الحقوق، وتدمير تلك الشعوب أنظمة علمانية تدور في فلك المصالح الغربية.

11 - الترويج للمظاهر الاجتماعية الغربية: وبخاصة في الفن، والرياضة، والطبابة، وشركات الطيران، والأزياء، والعطور، والحفلات الرسمية، وقضية المرأة، ولئن كانت هذه شكليات ومظاهر لكنها تعبر عن قيم خلقية، ومنطلقات عقائدية، وفلسفة خاصة للحياة، من هنا كان الاهتمام العلماني المبالغ فيه بموضوع المرأة، والسعي لنزع حجابها، وإخراجها للحياة العامة، وتعطيل دورها الذي لا يمكن أن يقوم به غيرها في تربية الأسرة ورعاية الأطفال، وهكذا العلمانيون يفلسفون الحياة: يُعطَّل مئات الآلاف من الرجال عن العمل لتعمل المرأة، وتُستقدم مئات الآلاف من العاملات في المنازل لتسدَّ مكان المرأة في رعاية الأطفال والقيام بشؤون المنزل، ولئن كانت بعض الأعمال النسائية يجب أن تناط بالمرأة، فما المسوغ لمزاحمتها للرجل في كل موقع؟!

12 - الاهتمام الشديد والترويج الدائم للنظريات العلمانية الغربية: في الاجتماع والأدب، وتقديم أصحابها في وسائل الإعلام، بل وفي الكليات والجامعات على أنهم رواد العلم، وأساطين الفكر، وعظماء الأدب، وما أسماء «دارون»، و «فرويد»، و «دوركايم»، ولا «الألسنية» و «البنيوية» و «الســريالية»، وغــير هــذا الكثير مما لا يجهله المهتم بهذا الشأن، حتى إن بعض هذا قد يتجاوزه علمانيو الغرب، ولكن صداه ما زال يتردد في عالم الأتباع في الشرق، وكأننا نحتاج لعقود من الزمن ليفقه أبناؤنا عن أساتذتهم هذه المراجعات.

                                                                                                                           د. عوض محمد القرني

بطل عالمي غير معترف به.


                                                                        هارون يحيى


الإخوة الكرام نعرض عليكم اليوم شخصية إسلامية فريدة من نوعها ،هي شخصية لم نألف سماع أخبار عنها كما نسمع عن هيفاء وأمثالها من الراقصين والراقصات الأحياء منهم و الأموات. هي شخصية لم تعطى حقها رغم أنها قدمت الكثير ولا زالت تقدم. طبعا البعض يعرف هذا الشخص فهو صاحب الأعمال المترجمة إلى أفلام وثائقية شيقة و هادفة.

 نبذة تعريفية عن هذه الشخصية:

 طبعا الرجل مشهور باسم هارون يحيى وهذا الاسم المستعار " يتكون من اسمي نبيين كريمين في إشارة النبي هارون و النبي يحيى عليهما السلام اللّذيْن ناضلا ضد أفكار الإلحاد والجحود ".و هذا الاسم يبرز لنا مدى تعلق هذا الرجل و حبه للإسلام و اللغة العربية فاسمه الحقيقي هو عدنان أوكطار.


ولد عدنان أوكطار في أنقرة عام 1956، وهو يعتبر من رجال الفكر البارزين في تركيا. يولي أهمية كبيرة للقيم الوطنية والأخلاقية، ويرى أن تبليغ هذه القيم إلى الآخرين يعد رسالة إنسانية.

وقد بدأ صراعه الفكري منذ عام 1979 عندما كان طالبا في كلية الفنون الجميلة بجامعة المعمار سنان.وطوال فترته الدراسية كانت الفلسفات والإيديولوجيات المادية هي المسيطرة على الساحة من حوله. وفي هذا المناخ قام بأبحاث مفّصلة حول تناقضات هذه الإيديولوجيات، و توصل في النهاية إلى أن
الداروينية القائمة على نظرية "النشوء والارتقاء" هي التي تمثل تهديدا حقيقيا لقيمنا الوطنية والأخلاقية ، وهي الأساس الذي بنيت عليه الإيديولوجيات المدّمرة، فأعدّ لذلك مجموعة من الكتب بيّن فيها الكوارث التي جلبتها هذه النظرية على تركيا والعالم، وأجاب فيها بشكل علمي على إدّعاءاتها الواهية وفضح تناقضاتها الصارخة.

بدأت أعمال هارون يحيى في جذب الانتباه إليها لما لاقته من استحسان الطبقة المتعلمة من الأتراك؛ الأمر الذي أزعج كبراء المجتمع التركي؛ للتهديد غير المباشر الذي تشكله كتبه على الفكر العلماني بتركيا، فتعالت الأصوات المطالبة بحجب أفكاره عن الساحة؛ وهو ما عرضه للعديد من الأزمات والمؤامرات.

فأُرسل تارة إلى أحد مستشفيات المختلين عقليا، ليودع عنبر الحالات الخطرة أملا في أن يلقى مصرعه هناك، وتارة أخرى تم تلفيق تهمة تعاطي مخدر الكوكايين إليه للتشهير به وفض التفاف الناس حول أعماله، وبعد تبرئته أيضا هذه المرة قرر عدنان اعتزال الحياة العامة تماما في 1991 من أجل التفرغ الكامل لأبحاثه ومؤلفاته.

وعلى الرغم من اختفائه بقي أثر إصداراته المتوالية البالغة 200، معتمدا على نشاط أعضاء منظمته العلمية في إقامة المؤتمرات وإلقاء المحاضرات في شتى أنحاء العالم، وذلك لعرض أفكاره التي تدحض الدارونية والفلسفات القائمة على أساسها.

ولكن كيد المتضررين من جهوده ظل يلاحقه؛ وهو ما أدى لاعتقاله مرة أخرى في عام 1999 ومعه عدد كبير من العاملين بمؤسسة الأبحاث العلمية (SRF) التي يرأسها شرفيا بتهمة ارتكاب أفعال إجرامية وممارسات لا أخلاقية ليعود بعد البراءة إلى الظل مرة أخرى وحتى الأسبوع الأخير من مايو 2007.

بعد خروجه لم يمكث كثيرا؛ فخرج وسط زوبعة ضخمة أحدثها الجزء الأول من "موسوعة أطلس الخلق "Atlas of Creation.



أخذ الكتاب في الانتشار في فبراير ومارس 2007،الأمر الذي أشعل معه فتيل أزمة ما زالت تتوالى توابعها إلى الآن، حتى إن الصحف الأوروبية وصفتها بـ"الهجمة المبهرة على نظرية التطور".ذاع صيت الموسوعة التي حوى الجزء الأول منها هجومًا علميا على فرضية النشوء والارتقاء "الدارونية"، والتي تقوم عليها المناهج التعليمية في العديد من دول العالم، باعتبارها حقيقة علمية مسلمًا بها، جاء هذا في أكثر من 750 صفحة من أصل 5600 صفحة ستصدر في سبعة أجزاء. وبينما وصفت مجلة (New Scientist) الأمريكية الكاتب بـ "البطل الدولي" لجهوده الضخمة في تفنيد مزاعم التطور، اجتاح الزلزال الفكري للكتاب الأكاديميات العلمية الفرنسية؛ فأثار حفيظة أعداء حقيقة الخلق من ماديين ودارونيين، وعمدوا إلى الضغط على الحكومة لحظر الكتاب.حيث اعتبروه اختراقا إسلاميا للثقافة الفرنسية التي تأسست على فكرة "البقاء للأقوى" وجيشت المنشورات وأقامت غرف المتابعة وأعلنت حالة الطوارئ في المدارس الفرنسية لمواجهة "كتاب علمي" يحمل وجهة نظر مغايرة بشأن نظرية الخلق!
وبالفعل صدر بيان يحظر تداول كتاب "أطلس الخلق"، ويؤكد أنه "لا مكان له في المدارس الفرنسية".وهذا ليس غريبا على فرنسا فقد سبق لوزارة داخليتها ان حضرت سنة 1995 كتاب الحلال و الحرام ليوسف القرضاوي، فيما دافعت و احتضنت "آيات شيطانية".

و في احد المقابلات مع الصحفيين الفرنسيين وفي تعليق ساخر منه على ادعاءات أنصار فرضية داروين و الذين دعوا إلى حضر كتابه، دعا أوكطار إلى عقد مؤتمر صحفي تحت سفح برج إيفل، وأن يحضر دعاة التطور الحفريات التي يدعون امتلاكها كدليل على حدوث مراحل تطور بيولوجي للحياة على الأرض. !!!

ويضم كتاب"أطلس الخلق"، مقدمة للتعريف بعلم الحفريات، يليها خمسة فصول تصنف صور مئات المتحجرات مليونية العمر تبعا لمنطقة اكتشافها، ويقارن الكاتب في تحليل علمي بين تلك الحفريات ومثيلاتها من الكائنات والنباتات التي ما زالت تعيش على أرضنا إلى اليوم، غارسا لدى القارئ حقيقة أن الكائنات الحية على أرضنا لم تمر بمراحل تطور وسيطة كما تزعم الدعاية المسلطة على الدارونية، مؤكدا أن الخليقة وجدت على نسقها الحالي منذ قديم الأزل.

ثم يُختم الكتاب بملحق كبير تحت عنوان "الجذور الإيديولوجية الحقيقية للإرهاب"، حيث يعالج الكاتب هذه المرة فرضية التطور والارتقاء من زاوية إيديولوجية فلسفية بعد أن فندها علميا في الفصول السابقة، وفي توجه غير معهود يصل أوكطار في تحليله إلى أن جذور الإرهاب الذي يعاني منه عالمنا تعود إلى الدارونية وأصولها التاريخية التي أوجدت فكرة البقاء للأقوى.

ثم يربط بينها وبين شرور الفاشية والنازية والشيوعية والماسونية التي صبغت القرن المنصرم باللون الأحمر القاني كنتيجة لتحول الإنسان في نظر أتباعها من مخلوق مكرم إلى حيوان اعتباطي الوجود همه الأول هو البقاء وإبادة الكائنات الأخرى المحيطة به كما تقول فرضية تشارلز داروين.

ومقالاته تنشر على صفحات الإنترنت بشكل فردي أو بشكل مؤسساتي، و قد ألف عدنان أوكطار كتبا دينية أخرى في مواضيع مختلفة ، تجاوز عددها المائة كتاب .

يوجد إقبال كبير على قراءة كتب هارون يحيى في دول كثيرة من العالم،. وقد تم ترجمة هذه الكتب إلى أغلب اللغات العالمية مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والأسبانية والبرتغالية والأردية والعربية والألبانية والروسية والبوسنية والإيغورية والإندونيسية وغيرها من اللغات. وقد أصبح هناك مُتابعون كثيرون ,في شتى أنحاء العالم, يَحرصون على قراءة كل كتاب جديد ينتجه المؤلف.

وكانت هذه المؤلفات التي تلقى تقديرا منقطع النظير في أرجاء الأرض كلها وراء إيمان الكثير من الناس ، أو سببا في تثبيت إيمان عدد كبير آخر منهم. وكل شخص يقرأ هذه الكتب ويتأمل فيها يشعر بوقعها عليه ويتوصل بكل يسر إلى الحكمة البالغة التي هي ميزتها ويحس بحلاوة العمق الإيماني الكامن فيها ويتمتع بجمال أسلوبها ويقتنع بصدق مضمونها.

ويحتوي كل كتاب من هذه الكتب على حقائق دامغة مدعّمة بقوة الدليل فلا يمكن لأحد أن ينكرها.

يمكن التوصل إلى هذه الكتب من خلال موقعه على شبكة الانترنت. و الاطلاع عليها للاستفادة مما فيها من خيرات في حدود العلوم التجريبية و اجتناب ما فيها من أخطاء و الحكمة ضالة المؤمن، ودليلنا الذي نرجع إليه دائما الكتاب و السنة. فسبحان الذي يخرج الحي من الميت و الميت من الحي.

و الحمد لله رب العالمين.                                                      

موقع هارون يحيى

افلام وثائقية جاهزة للتحميل

الجامعة العربية (المشروع البريطاني اليهودي و العلماني العربي)

قبل الحديث عن الجامعة العربية لابد لنا من استحضار مشاهد سريعة من التاريخ الحديث، لاستظهار شواهد من واقع مرحلة البدء التي تمخضت عن ميلاد فكرة الجامعة العربية ، ذلك أنه في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. وبداية القرن التاسع عشر ،بدا أن دولة الخلافة العثمانية قد أصبحت مرشحة للسقوط ، بسب ما اعتراها من خلل في البنيان ودخل في المنهج ، هذا في الوقت الذي كانت فيه دول العالم النصراني تتطلع إلى سقوطها وإلى موت (الرجل المريض) لاقتسام تركته ، وكان اليهود أيضا يتشوقون للحدث ويعملون في سبيل تحقيقه ، ويرمقون الأحوال بشغف ، عسى أن ينالهم نصيب من قمة الميراث .

الجامعة العربية فكرة من ؟

في أواخر حياته ، سمع ´´تيودور هرتزل" (مؤسس فكرة الدولة اليهودية ) بحركة تدعو إلى تجديد شباب الخلافة الإسلامية، وأطلقت هذه الحركة على نفسها (حركة الجامعة الإسلامية ) ، وكان من دعاتها الشيخ محمد رشيد رضا ، فاغتم لهذه الحركة ، وسرعان ما حركه حسه اليهودي الماكر من الاغتمام بالخبر إلى السعي إلى اغتنامه ، وخطر له أن يجري اتصالاته لإقحام النصارى في المناداة بتحرير العرب من ´´استعمار´´ الترك ،ولينادوا بالقومية العربية في مقابلة القومية التركية الطورانية التي رفع يهود تركيا عقيرتهم بها ، وكان أن اتصل ´´هرتزل ´´ بنجيب عازوري لمحاولة دمج حركته المسماة (اليقظة العربية ) مع حركة (الجامعة الإسلامية ) ، ثم حدث أن قامت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م ، ليكون من أهم نتائجها: هزيمة الدولة العثمانية المسلمة و القضاء على دولة الخلافة ، وما هي إلا أعوام ثلاث حتى صدر"وعد بلفور"(وزير خارجية بريطانيا) بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين ، ثم تقوم الحرب العالمية الثانية ، التي كان من أهم نتائجها تقسيم بلاد العرب بين انجلترا وفرنسا ، بمقتضى اتفاقية´´سايكس بيكو´´ (وزيري خارجية البلدين )، وهكذا انفرط العقد الذي كان يجمع بين البلدان العربية و الإسلامية برباط الإسلام، وأصر الأعداء على إيجاد رابطة بديلة لرابطة الانتماء للإسلام ، وراج الكلام وزاد الضجيج حول(رابطة العروبة ) بدلا من (رابطة الإسلام ) ، (والجامعة العربية (بدلا من (الجامعة الإسلامية ).

وفي 29مايو عام1941 م أدلى السياسي البريطاني المخضرم ´´إيدن ´´ بتصريح في مجلس العموم البريطاني عبر فيه عن استعداد بريطانيا لاحتضان الدعوة لإنشاء الجامعة العربية ، وقال : إن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم لتحقيق فكرة (جامعة عربية ) وقال : إنه سيكون لبريطانيا شرف السبق إلى تحقيق هذا المطلب ! وفي مصر، ندب حزب الوفد المصري (أعرق الأحزاب العلمانية ) نفسه لتنفيذ الفكرة ، فدعا زعيم الوفد مصطفى النحاس إلى إنشاء مؤتمر يبحث فكرة التنسيق بين الدول العربية ، لترسيخ المبدأ القومي ثم الوطني على أساس الانتماء للعروبة ، واقترح تشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر لهذا الشأن .

الجامعة العربة وتكريس الانقسام والهزيمة وجاء اليوم الذي أعلن فيه عن تأسيس الجامعة العربية بعد أن أجهض اليهود والنصارى والعلمانيون مشروع الجامعة الإسلامية ، وأعلن في   22مارس عام 1945،عن تأسيس الجامعة لتكون القاهرة مقرا لها ، في وقت كانت مصر فيه لا تزال تحت الاحتلال الإنجليزي الذي أعطى الضوء الأخضر لقيام الجامعة التي تستطيع التعامل من خلالها مع العرب بأنها ليست ضد أماني العرب في الوحدة، وأدركت أنها من خلال سيطرتها على مصر،وسيطرة مصر على الجامعة، ستستطيع تمرير ما تتطلبه المرحلة من مناورات ومؤامرات .

لقد ولدت الجامعة إذن لغرض واضح من البداية : سلخ المسلمين العرب عن المسلمين غير العرب لا لإعزاز العرب بغير الدين ، ولكن طمعا في إذلال الدين بذل العرب، لهذا: فقد كان مرسوما منذ البداية أن تكون الجامعة تجسيدا للذل العربي، فهل نجحت بريطانيا ومن بعدها أمريكا- في إنجاح الجامعة في هذه المهمة ؟!

لنتأمل معا.. ماذا أعلنت الجامعة من أهداف ؟وماذا تحقق منها في عالم الواقع ؟ ما الذي تحقق لمصلحة العرب؟ وما الذي تحقق لمصلحة أعداء العرب ؟

لقد نص ميثاق الجامعة منذ إنشائها على عدد من الأهداف الكبيرة منها:

استكمال تحرير البلاد و الشعوب العربية من الاحتلال الأجنبي،لاحظ التعبير:الشعوب العربية و العربية فقط..و ماذا إذن عن الشعوب الإسلامية ؟ لا ضير من احتلالها ما سلمت بلاد العرب، ومع هذا، هل سلمت بلاد العرب و تحررت شعوب العرب من الاحتلال الأجنبي؟

نسأل بعد خمسين عاما من إعلان الميثاق و نترك الجواب للشعوب التي لا يزال يسيطر عليها الأجنبي و يخضعها لمعسكره، بعد أن كانت خاضعة فقط لعسكره، نعم لقد انتهى عصر سيطرة المعسكر، ومع هذا أيضا:فلا يزال من بلاد العرب في ظل جامعة العرب، من لا يزال باقيا تحت سيطرة أذل العسكر (اليهود)، و اسألوا فلسطين التي وضعت الجامعة بصمتها على صك بيعها في المعاهدات السلمية، بعد ستة حروب،هزمت جيوش العرب في أولادها سنة 1948م و غابت في الثالثة عام 1956م، و سحقت و نكست في الثالثة عام 1967م، و سحبت منها الثمرة في الرابعة 1973م بينما تفرج عليها العالم و هبي ساكتة صامتة في الخامسة عام 1982م، حيث اجتاح اليهود جنوب لبنان في حرب من طرف واحد،و الأخيرة قبل أيام معدودة في جنوب لبنان أيضا عبر فيها العرب على منتهى الإذعان و الانصياع للأوامر الأمريكية، التي هي في الحقيقة أوامر اليهود النافذين في الإدارة الأمريكية، هذه الحرب التي أبانت بشكل سافر أن القومية العربية إنما كانت وسيلة لامتصاص شعور المسلمين بالانتماء إلى دينهم، و القضاء على محاولات بناء نظام الخلافة الإسلامية من جديد.

الجامعة العربية و إعلان الأهداف المخدرة للشعوب.


كان من أهداف الجامعة العربية المعلنة:

أ-تحقيق فكرة الدفاع العربي المشترك، و هذا يعني في أبسط معانيه: وجود جيش عربي قوي موحد، أو على الأقل: جيوش عربية قوية بينها تنسيق لرد أطماع الأعداء، فهل هذا حاصل الآن بعد خمسين عاما؟.

لقد تم في عام 1950م توقيع معاهدة : الدفاع العربي المشترك ، ولكن هذه المعاهدة تم إيقاف العمل بها منذ ست عشرة سنة . كما تم إلغاء مشروع الإنتاج الحربي بدعم من الدول العربية مجتمعة ، ولكن بعض لجان مجلس الدفاع المشترك لم تلغ، وإنما أبقيت كرمز، وسمح لها باستئناف نشاطات من قبيل : رعاية الدورات الرياضية ،وإصدار المعاجم العسكرية التاريخية والجغرافية ! ونحو ذلك .

ب - تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية ، وإقامة سوق عربية مشتركة.

هل تحققت للعرب وحدة اقتصادية تحت مظلة الجامعة العربية ؟

لقد أعلن في عام 962ام ، عن مشروع (الوحدة العربية الاقتصادية ) ونص المشروع على أن لرعايا الدول الموقعة حرية انتقال الأشخاص ، ورؤوس الأموال ، وتبادل البضائع ،والإقامة والعمل ، و´´الترانزيت ´´..الخ ، وبعد عشر سنوات كاملة من إعلان الاتفاقية ،ألغيت بعد تقويمها ومراجعتها ثم الحكم بفشلها ، وأرجع سبب الفشل في حينه إلى أن الأهداف كانت طموحة جدا!..

أما السوق العربية المشتركة، فنسمع عنها فقط في إذاعة بلاد(الواق واق ) والصحف التي تتحدث عن الغول والعنقاء والخل الوفي!

ج - إحكام المقاطعة العربية ضد الكيان الصهيوني:

وهو هدف ، استمرت الجامعة في المحافظة على إعلانه ،وظلت المقاطعة قائمة في العلن ، حتى قوطعت من بعض أعضاء الجامعة العربية،و بدون إذنها،وصدرت القرارات برفع المقاطعة كليا أو جزئيا،وبرز مصطلح التطبيع بدلا منها ، ولا نكاد نسمع الآن بعد أكثر من خمسين عاما أن هناك من يتعاطف مع قطع العلاقات السياسية فضلا عن الاقتصادية ، بل صارالرائج والسائد المسارعة بدل المقاطعة ! فالكل يتلهف على فتح الأسواق أمام بضائع اليهود

الجامعة العربية والإصرار على الفشل.

وإذا كان هذا هو شأن الجامعة مع أهدافها الكبرى ، فماذا يا ترى سيكون حالها مع الأهداف الأدنى منها؟

إن نظرة واحدة على المشروعات والاتفاقيات والطروحات التي أعلنت عنها الجامعة دون أن تحقق منها شيئا ، لتصيب الإنسان بالدهشة ، وتدفعه للتساؤل : لماذا هذا الإصرار على الفشل ؟! ولماذا يقترن الفشل دائما ب(العروبة ) في مشروعات (بيت العروبة ) كما يحلو لهم أن يسموه ؟! اتفاقيات فاشلة ، مشروعات فاشلة ، أطروحات فاشلة .. ففي عام 1958 م أعلن عن مشروع لإنشاء مصرف للتنمية وفي عام 1960م أعلن عن تشكيل المجلس الاقتصاد العربي.

وفى عام 1952م أعلن عن توقيع اتفاقية للوحدة العربية وهذه الاتفاقيات كانت حبرا على ورق ، حيث لم ير لها أي أثر في الواقع ، و هناك اتفاقيات أخرى أو مشاريع لم تر النور أصلا، و لم تخرج من أدراجها، من ذلك: أنشاء مجلس عربي للبحوث الذرية في الأغراض السلمية،و الاتفاقية العربية للتبادل التجاري و تنظيم التجارة لعام 1953م، و اتفاقية تسديد مدخرات المعاملات التجارية و انتقال رؤوس الأموال لعام 1956م، و اتفاقية توحيد التعرفة الجمركية 1956م.

هكذا أعلنت نتيجة المصارعة لجولة استمرت خمسين سنة في حلبة (الصراع العربي الإسرائيلي)، حيث رفع المصارع اليهودي ذراع نفسه، فوق جثة المصارع العلماني العربي.

إن شيئا واحد نجحت فيه العلمانية العربية( القومية العربية) بعد خمسين عاما من العمل المؤسسي، و هو : الانتصار لكل المصالح، عدا مصلحة الأمة، و ما أصدق كلمة أحمد الشقيري في كتابه (الجامعة العربية) عندما وصف الجامعة بأنها:"منظمة إقليمية، أنشئت لخدمة السياسة الغربية"، وصدق فهي لم تنشأ أصلا إلا لخدمة المصالح الغربية و اليهودية.

السلطات المغربية و ازدواجية المعايير

* مجتمع مدني مقبول و آخر مرفوض
* مؤمنون ممتازون و مؤمنون من الدرجة الثاني

لم يكن أحد ينتظر أن يتطور أمر تفسير آية الطلاق من طرف الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي إلى إقدام السلطات على إغلاق خمسين دارا للقرآن الكريم، تسهر على تأطير مئات الآلاف من المواطنين المغاربة من النساء و الفتيات و الرجال و الفتيان من مختلف الفئات العمرية،يستفيدون من أنشطة تحفيظ القرآن الكريم و برنامج محو الأمية و دروس العلم الشرعي، و لم يكن احد ينتظر أن يخرج المجلس العلمي الأعلى فيخالف حكمة الصمت المطبق التي ارتضاها منهجا له في التعامل مع قضايا المغاربة، ليروع أفئدة المئات من حملة القران و طلابه فيدخل عليهم الحزن في أيام الفرح أيام العشر الأواخر من شهر الرحمة و القران رمضان الابرك.
إن قضية تفسير آية الطلاق و ما ترتب عنها من إغلاق عشرات دور القران و تعطيل نشاط الجمعيات المسؤولة عنها كشف بالواضح تناقضات كثيرة ، يدل وجودها عن ازدواجية في التعامل مع فئات المواطنين في خرق سافر لقيم العدل و الإنصاف و المساواة نجليها من خلال النقط التالية:
مجتمع مدني مقبول و آخر مرفوض
بعد إقدام السلطات على طول و عرض التراب الوطني على إغلاق الجمعيات القرآنية ، يتساءل كثير من المتتبعين عن المعايير التي يعتمدها المسؤولون في التمييز بين الفاعلين في المجتمع المدني، فقد أصبح من الواضح أن هناك تمييزا سافرا بين المشتغلين في العمل الجمعوي، و ذلك حسب القناعات و الأفكار و المعتقدات الشيء الذي يتنافى مع اصغر شرط من شروط المجتمع المبني على أسس العدل و المساواة.
فكيف تغلق عشرات الجمعيات لكونها حسب التقسيم الاستخباراتي منسجمة مع الدكتور المغراوي من الناحية الفكرية؟ومتى كانت القناعات سالبة للحق في التنظيم و الاجتماع رغم عدم مصادمتها للقانون أو تعارضها مع أحكامه؟
إن كل الجمعيات التي تم إغلاقها تنشط في المجتمع المغربي داخل إطار قانون الحريات العامة، و لها لبرامج محو الأمية تشارك من خلالها في التنمية البشرية، لها نتائج ملموسة على ارض الواقع ولا تكلف ميزانية الدولة درهما واحدا، بل تخفف عليها أعباء كثيرة من خلال تركيزها على فئات المنحرفين و المدمنين و المجرمين، فكل مجرم يتوب و يغير سلوكه إلا و يعفي خزينة الدولة من تكاليف إقامته بالسجن وتكاليف علاج ضحاياه،هذا بالإضافة إلى الخسائر المادية التي يحدثها حال تأثير المخدرات و المهلوسات على عقله.
فأمريكا التي تدفع الدول الإسلامية إلى محاربة أبنائها الملتزمين بدينهم أصدرت قوانين في بلادها تساعد الجمعيات الدينية الأمريكية لأنها تخفف من نفقات ميزانيات إدارة السجون ووزارات الصحة و العدل و الداخلية، و ذلك من خلال إعادة تربية و إدماج المنحرفين و تهذيب سلوكاتهم.
بينما للأسف نجد موقف السلطات المغربية من الجمعيات القرآنية يعطي الانطباع بان السلطات لا تعترف بتنمية بشرية يشارك فيها ملتحون أو منقبات أو محجبات، مستجيبة بالكامل لتأثير الصحافة و الإعلام و الجمعيات العلمانية التي تعمل بشكل دائم على تشويه سمعة المتدينين و إقصائهم من المجالات الاجتماعية و السياسية رغبة من أصحابها في التضييق على كل أعمال عنف تسوغ الزج بهم في السجون ليلتحقوا بأصحاب الفكر الغالي و المتطرف، و ذلك لمجرد أنهم وفروا لحاهم و رجعوا إلى تعاليم دين آبائهم و أجدادهم.
فتهم العلمانيين لمدارس القران بترويج فكر الانغلاق والضلال كذب واضح و زور يفنده الواقع، فخريجو دور القران ولله الحمد يشهد من يتعامل معهم على اندماجهم في المجتمع، حيث فيهم موظفون في الإدارات العمومية بمختلف تخصصاتها،فضلا عن تواجدهم في القطاع الخاص، و منهم الإداريون و الأطباء و المهندسون و التقنيون و أئمة للمساجد و رؤساء جمعيات تشتغل في المجتمع المدني لهم الأيادي البيضاء..، فلا يكاد يخلو قطاع من القطاعات من تواجدهم و هم إلى ذلك محبوبون من طرف زملائهم في العمل، و هذا ما يثير حفيظة العلمانيين المتربصين دوما بهؤلاء الصالحين.

مؤمنون ممتازون و مؤمنون من الدرجة الثنية
إن المرء ليتساءل عن الفئة التي عناها وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية حين فسر صدور البلاغ بأنه كان لازما لتسكين قلوب المؤمنين التي أقلقها تفسير الدكتور المغراوي فمن هي يا ترى هذه الفئة المؤمنة التي روعها تفسير آية والتي استحقت أن يضحي الوزير من أجل تحقيق سكينة قلوبها بسكينة قلوب الآلاف من المغاربة حملة القران وطلبه ولم يكترث لمستقبل أبنائهم الدين رمى بهم بلاغ قليل الكلمات كثير الدلالات إلى الشارع بعد إقفال مدارسهم ؟
لا يشك أحد تتبع تطورات القضية أن هذه الفئة من المؤمنين تمثلها بالخصوص نساء الرابطة الديمقراطية لحقوق الإنسان التي انتفضت رئيستها فوزية عسولي وأقسمت بكل المواثيق الدولية . أن تجعل وزير الأوقاف يتبنى قضيتها , ويحرك المجلس العلمي الأعلى لينتقم من صاحب ذلك التفسير الذي يحرض على اغتصاب الفتيات , وبالفعل برها السيد الوزير في قسمها , وحلفت أيضا بكل بند من بنود إعلان حقوق الإنسان أن تدفع وزير العدل حتى يحرك الدعوى ضد الدكتور المفسر , فلم تحنث أيضا لأن الراضي بدوره شديد الإيمان بما حلفت به فوزية عسولي , فكان ثمن تسكين قلوب نساء رابطتها ترويع الآلاف من المواطنين المغاربة , وكأنهم ليسوا رعايا أمير المؤمنين يدينون له بالولاء أكثر واخلص من نساء عسولي ورجالها المتآمرون على ثوابت الأمة .
مساكين أولئك الطلبة وتلك الطالبات , لم يشفع لهم إيمانهم بوجوب طاعة ولاة الأمور ولا تبنيهم لنبد العنف والتطرف في أن يستكملوا دراستهم بمؤسساتهم القرآنية. ما دام بينهم ملتحون و منقبات يروعن سكينة قلوب عسولي و من على شاكلتها من الذين تشمئز قلوبهم من تزويج القاصرات و لو في إطار المدونة و بأمر من القاضي ، بينما تلين جلودهم و تنشرح صدورهم عندما يشاهدون قاصرات في أحضان عشاقهن تعلو محياهم فرحة المتعة بالحياة، و هن يمارسن حريتهن الشخصية دون قيد أو شرط وفق التصور العلماني المخلص دوما و فقط للمواثيق الدولية ، و لو خالفت كل المواثيق الربانية التي اخذ الله الميثاق على العلماء ليبينوها للناس و لا يكتموها.
فمن هو أولى بالأمن و السكينة ؟ من لزم ما فرضه الله عليه و رغب في حفظ القرآن والتزام طاعة ولاة أموره،امن يرى أن للفتاة الحرية في ممارسة الزنا مادام الأمر بالتراضي بين الطرفين، ويدعو إلى احترام حقوق الشواذ، و يستقوي بالمنظمات الدولية و الأجنبية،طالبا منها ممارسة الضغط على المسؤولين في بلاده حتى يقبلوا برفع التحفظات عن باقي المطالب العلمانية لتجهيز هذه الأخيرة على ما تبقى من مظاهر التدين لدى المغاربة؟
ولمذا لم يقم المجلس الأعلى بإصدار بلاغ يتهم فيه فوزية عسولي المطالبة بإلغاء أحكام الإرث بالشغب و التشويش على ثوابت الأمة، و ينعتها بالفتنة و الضلال و الإضلال للمؤمنين الذين يعتقدون أن تطبيق أحكام الله في المواريث جزء من دينهم؟
أم أن السيد وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية لا يهمه ترويع هذا الصنف من المؤمنين؟أم أن العلماء في مجلسنا العلمي الأعلى لا يعتبرون أحكام الإرث من المذهب المالكي؟و حتى لو صدر البلاغ هل ستتحرك السلطات لتغلق الفروع التابعة لرابطتها بدعوى أنها تابعة لفوزية عسولي كما سبق و أن تعاملت مع الجمعيات المغلقة رغم استقلالها القانوني و الإداري عن الدكتور المغراوي؟
إن المرء في النهاية ليتساءل من له المصلحة في أن يضطرب الأمن في المغرب ، من له المصلحة في أن يضطرب الأمن في المغرب ، و من له المصلحة في أن يعتقد آلاف المواطنين أن ولاة أمورهم يحاربون القرآن الكريم؟.


                                                                                                                                             إبراهيم الطالب

تقرير القناة الثانية 2M و استمرار الحقد

يبدو أن القائمين على قسم الأخبار في القناة الثانية، كانوا ينتظرون و هم يعدون تقريرهم حول زواج الصغيرة نتيجة غير الذي توصلوا إليه…
فلما خاب ظنهم، و خيبتهم تصريحات أهل الاختصاص، لم يجدوا بدا من الخروج عن الحياد الإعلامي والموضوعية، فقرروا الدخول في القضية، والجلب على الدكتور المغراوي بخيلهم و رجلهم… فكان الحكم المسبق من قبل مذيع الأخبار بقوله:
” هناك من يريد بناء هذا الوطن عبر تربية النشء، ومحاربة الأمية و “الهدر” المدرسي، خاصة لدى الفتيات، و هناك من يريد العكس، حيث أجاز أحد الشيوخ لنفسه إصدار فتوى يجيز فيها زواج الفتاة في سن التاسعة من عمرها، ما أحدث صدمة للرأي العام الوطني، وخلف ردود أفعال منددة لدى المنظمات الحقوقية“
فأقول: كان الأجدر بسميرة سيطايل ومن معها في قسم الأخبار أن يتركوا الحكم للمشاهد المغربي على مذهبهم-.، وأن يقفوا عند حد عرض ما عندهم من معطيات ومواد، وأن لا تبدأ جلسة المحاكمة بالنطق بالحكم من قبل الخصم و الحَكَمِ نفسِه…
لكننا لم نستغرب هذا الصنيع اللامهني، والمتنافي مع أخلاقيات مهنة الصحافة و الإعلام، فقد عودتنا قناة المغاربة الثانية – التي تمول من مالهم - الانحياز للطرح العلماني في كل النقاشات التي شهدتها الساحة المغربية، كقضية الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، وقضية تسونامي، وقضية الحجاب…
و هي التي عودت المشاهد المغربي على نشر كل مظاهر التفسخ و الانحلال و المجون، تحت عناوين براقة… كالإبداع الفني و اكتشاف المواهب …
أضف إلى ذلك نشرها لكل مظاهر التخلف العقدي و الظلامية الفكرية و الرجعية الدينية المتمثلة في تشجيع عبادة القبور و نشر البدع والمحدثات وشن الحرب على كل مظاهر التنوير المستمدة من فقه الكتاب والسنة.
لقد سجلت القناة مع الدكتور محمد المغراوي مادة مدتها (7 دقائق) فلم يذيعوا في تقريرهم إلا(24 ثانية) أي بنسبة(5.7% (وقد نجحوا في اختيارهم مقطعا مبتورا لا يعطي للمشاهد الكريم أدنى صورة عما أراد الدكتور بيانه ،ربما تماما كما فعلت مع كلام عباس الفاسي الذي اتهمها هو الاخر بتعمد” الإخفاء القصري “ في المونتاج واصفا فعلتها ”بالعمل غير الشريف“ .اثر تصريحه حول ما وقع بمدينة افني…


ولما عجز المعدون للتقرير عن أن يجدوا من يرد على فتوى الدكتور من أهل العلم الشرعي و الاختصاص-لأن الأمر مجمع عليه عند فقهاء الإسلام- توجهوا صوب الشارع العامي والله عز و جل أمرنا في مثل هذه الأمور أن نسأل أهل العلم فقال:” فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ “
و هل هؤلاء المستجوَبُون من الشارع المغربي، مهما كثر عددهم، يستطيعون محو آية من كتاب الله تقرر الحكم الشرعي لزواج الصغيرة؟
والسنة العملية المتمثلة في زواج النبي صلى الله عليه و سلم من عائشة رضي الله عنها؟
و إجماع أهل العلم بما فيهم المالكية؟؟
ولأقرب الصورة لمن لا يعرف الشارع المغربي، وهذا حال جميع العوام، فقد كانت قناة اقرأ تقدم برنامج اسمه” نبض الشارع” يذاع في رمضان، وكانت السائلة تنزل للشارع تسال أسئلة تجد أجوبتها بعد عناء طويل، وهذه نماذج الأسئلة “الصعبة”:
غزوة عظيمة انتصر فيها النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين على الكفار وكانت في شهر رمضان ما اسمها؟ من أين والى أين كانت هجرة النبي وصحابته؟ من أين اسري بالنبي؟ ما اسم النبي الذي عرف بالصبر ويضرب به المثل في صبره؟ ما اسم النبي الذي التقمه الحوت؟ ما اسم الغار الذي نزل فيه الوحي؟…هذه الأسئلة وأمثالها لا يجد الشارع جوابا لها، أكاد أجزم أنه لو نزلت السائلة لدور القرآن التي أسسها الشيخ حفظه الله لأجابها الرضع الذين يصحبون أمهاتهم ولا أقول الصبيان.. فهل هذا الشارع من يأخذ برأيه وتتحاكم إليه القناة في أمر كهذا؟؟!!
لقد ظهر جليا لكل من شاهد التقرير التجني الكبير من قبل المعدين له ومن أمثلة ذلك كتابتهم أثناء تمرير كلمة الشيخ المغراوي:” محمد بن عبد الرحمن المغراوي”
و أثناء تمرير كلمة رئيس المجلس العلمي للدار البيضاء كتبوا:” د. رضوان بنشقرون”
فما الذي جعلهم يثبتون الدال قبل اسم الثاني و لا يكتبونها قبل اسم الأول مع أن كلا منهما دكتور؟.. الجواب واضح. إنها محاولة منهم لتصوير الشيخ المغراوي على أنه متسلق و متفيقه و متعالم …
فما هذا الميزان؟؟
ومع أن الدكتور بنشقرون حاول إمساك العصا من الوسط باعتبار موقعه الرسمي كرئيس للمجلس العلمي لأكبر مدن المملكة إلا أنه قال:”المدونة حددت السن المعين في (18سنة)، نعم، و لكن تركت للقاضي هامشا يمكنه هو من أن يتدخل و يقرر أنه يحق لهذه الفتاة أن تتزوج رغم صغر سنها…”
و هذا عين كلام الدكتور المغراوي حين قال في الفتوى موضوع الضجة:” فالمرأة متى أمكنها تحمل الرجل، بكل ما في الكلمة من معنى يجوز لها التزوج ”
وقال “القاضي هو الذي يقرر الزواج ويقرر الطلاق” فما الفرق؟؟
وإذا كانت فوزية عسولي ،رئيسة الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، المستجوَبة في التقرير، قد انتهى إلى علمها أن المدونة قد حددت سن الزواج في (18 سنة)-كما صرحت في التقرير- فلتضف إلى معلوماتها أن المدونة نفسها نصت في مادتها العشرين على أنه:
” لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 أعلاه، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك ، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي.”اهـ
فنسألها هل هذه المادة من مدونة الأسرة تضرب بعرض الحائط كل أخلاق الشعب المغربي كما اتهمت الدكتور؟؟

وتستمر العنصرية في فرنسا…






إن من ينظر إلى واقع المجتمع الأوربي يتضح له بجلاء أن العنصرية متجردة و متنامية بشكل قوي في معظم البلدان الأوربية عموما و في فرنسا بالخصوص، حيث شهدت حالات كثيرة لتنامي العنصرية البغيضة ذات الجذور العميقة في النفسية الفرنسية منذ الحروب الصليبية، كيف لا و فولتير الرمز الأكبر للتنوير الفرنسي في العصر الحديث وصاحب مقولة " قد اختلف معك في الرأي، ولكن مستعد للموت في سبيل أن تعبر عن رأيك " يرسل إلى "كاترين الثانية" قيصرة روسيا، رسالة يقول فيها: "أتمنى لو كنت قادرًا على مساعدتك على الأقل بقتل حفنة من الأتراك المسلمين"!!

                                         

وقد شهدت فرنسا هذه الأيام موجات خطيرة من العنصرية تجاه كل ما هو إسلامي . فبالأمس فقط حاول مجهولون إحراق مسجد كولومبيه في جنوب غرب فرنسا والحقوا به أضرارا قبل أن يتدخل رجال الإطفاء سريعا لإخماد النيران ، وقد طالب رئيس المجلس الفرنسي للدين الإسلامي دليل بوبكر في بيان يدين بشدة حادث الحريق الإجرامي لمسجد Colomiers كولومييه - برد حازم من السلطات العامة وقال أن "هذا الحادث الجديد الإجرامي وأيضا الرمزي يوضح بجلاء الاتجاه المعادي للإسلام الذي تقلقنا مظاهره هنا وهناك" . وقال جون ماري جاييغلي المدعي العام للجمهورية في مونبيليار إنه عثر على واجهةالمسجد الرئيسي في اودينكور شرق فرنسا ، على رسومات وكتابات ذات طابع عنصري كناية عن “صلبان معقوفة (نازية) وصلبان ورأس خنزير والنجمة السداسية إضافة إلى الكثير من الكتابات ذات الطابعالعنصري مثل “فرنسا للفرنسيين” و”ارحلوا أيها العرب
                             
                                                             



و قد تم في السادس من هذا الشهر بمقبرة نوتردام دو لوريت الوطنية و في ظروف دنيئة للغاية تدنيس 148 قبرا لمسلمين ضحوا بأرواحهم في الحرب العالمية الأولى من أجل فرنسا مما خلف استياء ا بالغا لدى الجالية المسلمة هناك وقال مدعي الجمهورية في اراس جان بيار فالنسي أن "الكتابات تستهدف مباشرة الإسلام" ووزيرة العدل رشيدة داتي المغربية الأصل "حتى أن رأس خنزير علق عند احد المدافن". ومهما بلغت العنصرية و الكراهية من الإنسان مبلغها لا يمكن بأي حال من الأحوال التنكر لدماء قدمها هؤلاء العسكريين في سبيل الدفاع عن فرنسا ،فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟؟.
وقد سبق هذا اعتداء آخر في السنة الماضية حين تم تدنيس المقابر و تغطيتها بكتابات نازية ورسوم للصليب المعقوف. الشيء الذي يؤكد أن العداء للإسلام و العنصرية تجاه المسلمين بات أمرا مقلقا للغاية ،بل حتى الملاعب لم تسلم من العنصرية تجاه المسلمين فلازال مدافع وقائد فالنسيان المغربي عبد السلام وادو- الذي رفع دعوة على اثر تعرضه لهتافات عنصرية داخل الملعب من طرف احد 
المشجعين- يتعرض لإرهاب وتهديد بالقتل .
                                                                         
                                                                      


وبغض النظر عن ردود الفعل المستنكرة لهذه الأعمال سواء على المستوى الرسمي أو الفاعلين الحقوقيين ومنضمات مناهضة العنصرية غير أن هذا لا قيمة له في غياب رؤية شمولية لمحاربة هذه الظاهرة المتجدرة في المخزون الثقافي الفرنسي والغربي بشكل عام تجاه كل ما هو مسلم أو عربي، أمثلة كثيرة تكرس هذا الواقع سواء في الشارع حيث نظرات الاحتراس والشكوك تطارد المواطن العربي، أو في المؤسسات حيث إقصاء هذا الاسم في الكثير من الحالات من قاموس التوظيفات أو حتى في زيارتك لبعض المواقع الإلكترونية بحثا عن موضوعات مرتبطة بكلمة «إسلام»، ومنها موقع وزارة الداخلية الفرنسية الذي لا يقترح عليك في الغالب سوى الوثائق الأشد وقعا في نفوس المسلمين، تلك المتعلقة بالإرهاب، بينما لا تنطق وثائقه المتعلقة بإسرائيل سوى بالشتات والمحارق ومعاداة السامية.
ويأتي الإعلام الفرنسي بمختلف قنواته واتجاهاته ليكرس هذا الواقع تحت نفوذ صهيوني يعمل على نشر مقالات وتحقيقات ناقمة على الإسلام والمسلمين، في غياب شبه تام لإعلام إسلامي في فرنسا يدافع عن المسلمين. فكيف يعقل أن يمنع طفل من اللعب مع أقرانه و عزله عن باقي أفراد المجتمع الديمقراطي والحداثي والعلماني فقط لأنه يحمل اسم "إسلام"؟.

                                                                       
هذا ما حدث بالفعل في فرنسا حينما أبدى طفل صغير عمره لا يتعدى التسع سنوات رغبته في المشاركة في برنامج في قناة موجهة للأطفال، البرنامج الذي يحبه كثيرا ولا يفوت فرصة مشاهدته. ورغم أن الطفل يحمل اسما جميلا هو «إسلام» حرم الولد من المشاركة، رغم تلقيه في وقت سابق دعوة من المسؤولين تؤكد له أنه تمت الموافقة على طلب ترشحه، بعد أن قدمه في موقع القناة بشبكة الانترنت لاجتياز كاستنغ أولي لهذا البرنامج.فاستقبل مكالمة هاتفية من قناة «GULLI» تعلمه فيها أنها ترحب به وتدعوه إلى الحضور، تطاير الصغير فرحا وبدأ يركض في كل اتجاه ناشرا هذا الخبر السعيد، ومنبئا كل أفراد أسرته ليستعدوا لمواجهة الكاميرا.
في الوقت المحدد توجه إسلام رفقة شقيقه لقمان وصديقه الوفي الفرنسي "جيل"ووالدته فرح التي صدمت بعد أن صرحت لها الشابة المسؤولة عن الكاستينغ بان«حمل اسم إسلام بالنسبة إلى ولد هو مثل وضع الحجاب بالنسبة إلى بنت» و لم تشفع لها جمعيات حقوق الإنسان و مناهضة العنصرية في تغيير القناة لموقفها. لكنه هذه الأخيرة وخوفا من الفضيحة و انتشار الخبر قامت بالاتصال هاتفيا بأسرة إسلام لتقديم اعتذارها مقدمة اقتراحا بمثابة تعويض للصغير تدعوه ليحضر مع الجمهور ويتفرج على صغار آخرين يحملون أسماء «بريئة» ولا تشكل «خطرا» على عقول الأطفال الفرنسيين.
لم تقبل الأسرة طبعا هذا العرض ورفضته رفضا مطلقا، وكما قال والد الصغير: «لقد سجل إسلام نفسه من أجل المشاركة في مسابقة البرنامج وليس من أجل لعب دور كومبارس»، أما الابن الذي لم يستوعب ما حدث بالضبط ولم يشك يوما في أنه يحمل معه اسما خطيرا ومخيفا إلى هذا الحد فقد حزن كثيرا وخرج من هذه التجربة بجرح غائر في مشاعره، حتى إنه أصبح يرفض مشاهدة ذلك البرنامج الذي كان يحبه كثيرا وصار اليوم يتجنب رؤيته.
في الفيلم الوثائقي التافه «فتنة»، الذي أعده النائب العنصري الهولندي غيرت فيلدرز، يقدم صورة عن أطفال المسلمين باعتبارهم جميعا مشاريع انتحاريين وإرهابيين وأنهم حين يكبرون سيحولون هولندا إلى إمارة متخلفة تشنق المثليين وترجم الزناة ويقتل فيها الآباء بناتهم دفاعا عن الشرف، محذرا من هذا الخطر ومطالبا باتخاذ الاحتياطات اللازمة قبل أن يحتل المسلمون كل أوربا.
إنها فوبيا أصابت بعض الأوربيين تجاه كل ما يرمز إلى الإسلام، وهناك رغبة عنصرية أحيانا في تحويل هذا الدين إلى بعبع مخيف يجب تجنب كل شيء له علاقة به، وحتى أسماء الأطفال صارت متهمة، وقد نسمع يوما بوجود لائحة تمنع اسمي محمد وعلي… لدلالتهما الدينية المهددة لمبادئ العلمانية الفرنسية، أما إذا كنت تحمل اسم أسامة أو صدام فيمكن أن يتم اعتقالك في الحين وترحيلك إلى معتقل غوانتنامو.


                                                                        

المغاربة لا دينيون في برامج الدولة

حينما يتأمل المرء في برامج الدولة التربوية و التعليمية و الاجتماعية و الاقتصادية و غيرها،لابد أن يتساءل:هل نحن في نظر الدولة من خلال برامجها شعب لا ديني؟


اجتهاد العلمانيين في عزل المجتمع عن دينه


لا يفتر العلمانيون المتنفذون في البلاد يبرمجون و يخططون خارج إطار الشرعية الإسلامية التي ينتمي إليها هذا البلد، و يسعون بكل ما أوتوا من قوة للتأثير في المجتمع و تغييب الدين عن كل مناحي الحياة، صغيرها و كبيرها دقيقها و جليلها، حتى يستأصل الإسلام من قلوب المسلمين و يبدوا في أعينهم كوحش مخيف مقيد لحريات الناس يحول دون انطلاقهم نحو الحياة بكل تفتح و تحرر خال من أية قيود.

إن المتأمل في مشاريع الدولة و برامجها يرى أنها تعامل الشعب كأنه لا ديني و لا علاقة له بالإسلام فكيف ذلك؟.

المرجعية و الواقع طلاق مفروض

مما لا شك فيه أننا شعب مسلم بالتاريخ و الجغرافيا، والإسلام هو الدين الرسمي للبلد بالدستور و مرجعية الأمة المغربية هي الإسلام، هذا ما تسطر في الأوراق الرسمية، و ترسخ في عقولنا و اقتنعت به أفكارنا، لكن حقيقة الفعل الحاصل على ارض الواقع بكل تجلياته يعبر بنفسه عن الاستهتار بدين ثلاثين مليون مسلم أو أكثر. فتعالوا إلى ارض الواقع لتروا التناقض الصارخ و الطلاق البائن بين ماهو مسطر وما هو مفعل.

فالقانون المغربي يمنع المسلمين المغاربة من المتاجرة بالخمر و شربها، بينما شريحة كبيرة منهم تشربه على مرأى و مسمع من الجميع.

القانون المغربي يمنع نشر الصور الخليعة و معظم الجرائد و المجلات و القنوات الإعلامية و اللوحات الاشهارية تطفح بوابل من هذه الصور المهيجة للغريزة الجنسية.

القوانين المالية و الجبائية مبني من أساسه على المعاملات الربوبية، و القائمة تطول. انه أمر يجعل المرء الذي لا يعرف عن المغرب الا حاضره يظن أن ماقيل آنفا من اعتبار الإسلام الدين الرسمي للبلد و المرجعية العليا للأمة إنما هو عن شعب انقرض و لم يعد له أثر في الوجود.


واقعنا بنظرة عابرة يقول لك إن تجليات الإسلام في هذا البلد تراث ولى بقيت له أطلال،غير أن رياح الإيمان و الحمد لله بدأت توقظ العيون النائمة، و تحرك القلوب الغافلة ، و تبعث النور من جديد رغم ما يكيد الأعداء.

لقد كان من اللازم على الدولة و هي تتبنى الإسلام رسميا أن تكون برامجها خادمة للإسلام و مشجعة للمسلمين على أن يتمسكوا بدينهم للخلاص من رياح التغريب العاتية، و حفاظا على الهوية من الهاوية و لكن واأسفاه..فخذ أي ظاهرة مرضية -و ما أكثرها في المجتمع الذي قلنا أن مرجعيته إسلامية- عالجتها الدولة و أي مشروع تنموي طرحته على أرض الواقع و أي مقاربة تنموية، وانظر ما مدى اعتماد المرجعية الإسلامية التي يتشدق بها في بعض الأحيان لغرض من الأغراض، ففي كل ذلك لا تكاد تعثر على شيء من هذا إن لم تجد شيئا.فلا شيء يربطك و لو بخيط من الأوهام و يجعلك تشعر بأن دينك حاضر في حل مشاكلك و تقويم اعوجاجك ، و لو بنسبة ذر الرماد في العيون.


برامج تغيب الإسلام و تتبنى غيره


هذا ديدن المسئولين عن قيمنا و مبادئنا ففي كل خطوات المعالجة أو مراحل التنمية يغيبون الإسلام كلية ، و كأن هذا الشعب ليس مسلما و لا دين له لكن ويا للحسرة..عن قوم لا دين لهم أو أهل دين محرف، و مع دلك يتبنوها بغباء في الإسقاط و جفاء للإسلام. و لذلك لم تحل مشاكل المجتمع على كثرة الحلول المستوردة لكون البذر غير البذر و التربية غير التربية ، و هكذا تتمادى الدولة أو جهات نافذة في احتقار الإسلام و المسلمين من خلال معالجة القضايا بنظريات غربية ليبرالية أو شرقية شيوعية الحادية محضة. و بالتحديد نضرب مثالا ببرامج تعرضه القناة الأولى المغربية يقال له "أسر و حلول" من تابع حلقات هذا البرنامج يخلص إلى النتيجة التي صدرنا بها المقال، و يحكم على البرنامج بأنه في حد ذاته مشكل يحتاج إلى حل بدءا بمقدمه و الذي يفتقد إلى مهارة التقديم، و ختاما بالضيوف الذين يحلقون بأفكارهم خارج المكان الذي يوجدون به و الأرضية التي ينطلقون منها.

فكل القضايا التي عالجها البرنامج و التي تيسر لي متابعة أجزاء منها –لأقف على مهازلها- تنحوا نفس المنحى اللهم في برنامج يتعلق بقضايا الإرث، فقد تم استضافة فقيه ليقول ما يريدون ، و لو استطاعوا أن يغيبوه لفعلوا.

في هذا البرنامج و أمثاله الكلمة الفصل للأطباء النفسانيين و رجال القانون و علماء الاجتماع الغارقين في نظريات فلسفية مادية من أمثال "داروين"و"فرويد"و"هيكل"و"ديكارت"… و كأننا فقدنا من قومنا من يحل لنا المشاكل انطلاقا من مرجعية الكتاب و السنة المنزلة من رب العباد"ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير".

برنامج تحلق فيه مقدمته في سماجة لتستنجد بقصص من عالم الخيال أبدعها قوم لا علاقة لهم بالإسلام لتجد لنا الحلول هناك و لكن هيهات،هيهات.

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ و الماء على ظهورها محمول

و لمزيد من التوضيح و حتى لا يتطرق لما قلنا أي اعتراض تم تناول موضوع في غاية الخطورة في حلقة من الحلقات ، و لا يوجد له حل إلا في الإسلام و لا شيء غير الإسلام، و لكن انظروا ما كان صنيعهم مع هذا الأمر احتقارا لهذا الشعب المسلم رغما عنه، فقد كان الموضوع " الإدمان على الخمر و خطره على المجتمع"وقد عمدوا إلى أخد آراء الشارع، و حرصوا على أن لا يمرروا أي تصريح يتطرق لحكم الإسلام و كيف عالج القضية لا من قريب و لا من بعيد، و نحن موقنون انه من المواطنين من تكلم عن حكم الشرع في الخمر، و لكن مقص الرقيب كما يقولون تدخل بقوة ليجرد الأمر من أي صبغة شرعية ، حقدا و بغضا.

بل إن ضيوف البرنامج لم يكن فيهم عالم شرعي و المغرب حافل بعلماء الشرع، و أما الضيوف الحاضرون كأنما اخذوا تحذيرا قبل البدء أن لا يذكروا كلمة الإسلام على لسان أحدهم، و أن يتكلم من منطلق مشاكل اجتماعية حلولها عند الطبيب و الفيلسوف..و لا يضرنا ذلك إذا عرفنا من يتحكم في هذا الجهاز فالأمر لا يخفى على لبيب.

صمت رهيب متى ينتهي؟

إن المسئولين عن وسائل الإعلام يحتقرون ديننا و يؤدون مرجعيتنا و يعتبروننا لا دينيين أو يسعون لكي نكون كذلك ، فالي متى يتم التمادي في هذا الباطل.أحيانا تعييهم نظرياتهم الفاشلة في معالجة بعض القضايا فيعودون مكرهين على استحياء إلى الإسلام لينقذهم من ورطتهم، كما هو الشأن بالنسبة لمعضلة حوادث السير و الحرائق في الغابات مثلا…


إنها مهزلة ينبغي أن تنتهي في دولة يحكمها الإسلام على مدار خمسة عشر قرنا ، ينبغي أن يعود الإسلام إلى تفاصيل الحياة في بلد أمير المومنين، و المجالس العلمية، و لرابطة المحمدية، و الصروح التعليمية، و جحافل العلماء، هل كل هذا للزينة و البهرجة، أم للمباهاة و الافتخار.

ينبغي أن يصرخ العلماء و تقف المؤسسات الشرعية في وجه الباطل الذي يلتهم ما تبقى من ديننا فان لم يتكلم العلماء فمن يتكلم، و إن لم ينتفض العلماء من أجل هذا الدين فسلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين، لكننا نقول أن الخير لن يعدم في هذه الأمة و الله من وراء القصد.
                                                                                                                                               جريدة السبيل